غريبٌ أعرفه
تحدق بي العيون وأنا شاردٌ أفكر بك، أنظر إلى وجهك المرسوم على جدران ذاكرتي، وأقلب صفحات قصتنا التي أوشكت على الانتهاء لولا أننا نرفض أن نقرأ آخر صفحة، وكنوعٍ من أنواع التمسك نمزق الغلاف كي لا نغلق الكتاب سهوًا أو غضباً..
ينادونني مرارًا وتكرارًا دون جدوى، أصم القلب لا أريد أن أسمع أحدًا سواك، تمر أصواتهم بجانبي، أعرف أنهم يتحدثون، إنما لا أستطيع أن أفهمهم وكأنّ لهم لغة أخرى أو أنهم محضُ وهم، وحده صوتك الذي ما زال يتردد في رأسي يبدو حقيقيًّا ومألوفًا جدًّا.
لست أدري كيف أصبحتُ عالقًا بك إلى هذا الحد، ثمة شيءٌ يشبه الأغلال لكنه يقيد قلبي، كيف يغادر من كان مسجونًا في قلبه؟
كيف أُصِبتُ بك وأنا الفطن الحذر ؟ والمصابُ بك كيف يُشفى ؟
لست أدري على أي رفٍّ تركت انتباهي في تلك الليلة التي اقتحمتِ فيها حياتي ونشرت كل هذا الدمار..
بالرغم من فوضوية حياتي سابقًا وبالرغم من كل الأشياء السيئة التي كانت تحدث باستمرار ، لم أكن متعبًا إلى هذه الدرجة من قبل، أصبحت أعرف الآن أنها وحدها الأشياء التي تأتي من الداخل تهزم الإنسان،
ويا لقسوة هزيمته من كنت أنت كل شيءٍ في داخله..
قد كنت أدفأ منزلٍ في عمري واليوم تمزقني الوحشة لمجرد سماع اسمك.. ويمزقني أكثر أنني لا أعلم لماذا ؟ من قساك؟ من كسا الورد بالأشواك ؟ ولمَ أخذت النجوم معك؟ والشمس ما بالها متوارية؟ أهذا كسوفٌ أم غروب؟ والليل كيف ينتهي؟ والأرق والقلق والحيرة ماذا تريد مني؟ والذكرى والوعود أين أخبئ قلبي منها؟ والتساؤلات من يزيح عن صدري ثقل التساؤلات؟
قد كنتُ أتجنب المحبة طوال حياتي، كنتُ أعلم أن قلبي أكبر مني، وإنها لكارثة أن تكون شخصًا عاطفيًّا ومنطقيًّا في آنٍ واحد، كلما قطعت نصف الطريق في عاطفةٍ ما صفعتني يد المنطق قائلةً : عُد هذا الطريق ليس لك..
وللمرة الأولى أرفض العودة وأصرّ على الاستمرار، مُحِبًّا للطريق، غير مكترثٍ لصفعات المنطق المتكررة، إلى أن أتَت الصفعة منك، فكانت هي الصفعة التي أيقظتني من وهم عاطفتي، وإنه لأمرٌ مؤذٍ أن تلوي ذراعك اليد التي اعتدت مصافحتها، اليد التي كان من المفترض أن تربت على كتفك.
لقد كانت الخيبة كافية لإطفاء مدينة كاملة، لكنني قاومت، واخترت أن أحترق لو اضطر الأمر على أن أفقد وهجي، وبالرغم من الانتكاسات المتكررة لم أستسلم، لطالما علمت كيف أنهض مجددًا في كل مرة ومهما كان الحزن ثقيلًا..
لكن ألمي عزيزٌ عليّ، لا يزول أثره بسهولة، وعز عليّ أكثر أنه أتى منك.. لله ذنبك كيف أنسى الآن ؟
من أين لي عينان لا تلمحانك في كل شيء؟
من أين لي روحٌ جديدةٌ لا تعرفك؟
من أين لي قلبًا لست فيه ؟
أخبرني كيف أنزعك وأنت عالقٌ بين أضلعي كأنك صوفٌ بين شوك، أُخدش كلما حاولت أن أُخْرجك ، أتمزق حين أبتعد عنك..
يا وجعي، يا فرحي، يا عدوي، يا صديقي
يا من لست أدري ما أسميه..
من أنت؟ ما أنت؟ أخبرني؟
اختر كرسيًّا واجلس عليه، طول الوقوف يعذبني.



















