عزيزتي، لقد مرَّ وقت طويل منذ أن تكلمنا آخر مرة، عامان ربّما، أقل قليلًا؟ يبدو أنني بحاجة لإجراء بعض الحسابات، فإدراك الزمن فقد معناه منذ أن توقفنا عن تبادل الحديث.
يخيّل لي أننا توقفنا عن الحديث بالأمس. وأنَّ كلَّ وقتٍ مر بلا اتصال كالعدم، إدراكي لذاتي توقف منذ كفَّ كلامنا، إدراكي لما أدرك، ما أريد، ما أحس، كل هذا لم يعد له معنى، ما كنت أقيس عليه كل شيء لم يعد موجودًا. وحدة القياس لم تعد تتراءى أمامي، والمرآة التي أرى نفسي خلالها، انكسرت.
ولكن عندما أشتاق إليكِ لا يبدو لي الأمر هكذا. يبدو أن الدّهر مرَّ مرّتين منذ لقاءنا الأخير. هل تعرفين؟ أنا لا أتذكر تفاصيله جيدًا. أتذكر فقط أنكِ كنتِ ترتدين القميص الأخضر، وأنكِ قضيتِ اليوم كلّه جالسة على الأريكة الصفراء تعبثين في هاتفك، وأنكِ كنتِ غاضبة أو حزينة. كلاهما؟ ربما، فأنتِ لم تخبريني وقتها أي شيء.
لا أتذكر هذا اليوم جيدًا. يخيل لي أنكِ لم تكوني جالسةً على الأريكة ولكن على “البين باج”. لا أتذكر أي شيء، أتذكر فقط أننا قضينا يومًا صامتًا.
حسنًا. حدثت أشياء كثيرة خلال هاتين السنتين، بالتأكيد، تحدث أشياء بالتأكيد لأي شخص منّا خلال عامين حتى لو قضاهما متّكأ على أريكة، وأنا لم أستغرق العامين في النوم، لهذا، فقد وقعت الكثير من الحوادث، بعضها كان جيدًا، وبعضها كان رائعًا، وبعضها كان سيئًا وموجعًا.
لأكون عادلًا، فإنني لم أشكو خلال الأوقات الماضية من الثبات أو الجمود، ولكنني لا أجيد التفاعل مع ما يجري، لا أجيد تقييمه، ولا التصرّف إزاءه. الصورة أصبحت مشّوشة، وإدراكي، لمغزى ما يحدث، بات مشوشًا كذلك.
لا أدرك مدى ابتعادي عن نقطة البدء في خلقي، أو دعيني أقول، لم أعد أدرك مدى ابتعادي عن النقطة التي كنت عندها عندما انتهى الأمر. لقد كنّا نقيس الأمور سويًا، نكسبها أهميتها معًا، أو ننزع منها أي مغزى معًا. كنا نطوّع العالم كله على وحدة قياسنا وكانت الأمور متّزنة، نعم، اتضح لي منذ ذلك الوقت، أن وضع الأشياء في سياق ومنحها أوزانًا يمنحنا بعض السكينة، بعض الطمأنينة.
هذا النوع من الاطمئنان، على وجه الخصوص، أفتقده منذ أن أغلقتِ الخط في اتصالك الأخير. أصبحت وقتها تمامًا مثل آريا ستارك عندما فقدت بصرها. لا أحد.
أوه! هذا أمر آخر ومهم، هل تحبين آريا ستارك؟
تحدثت مع الكل عن صراع العروش. الأصدقاء، الصديقات، النساء اللائي عرفت، غرباء على منتديات الإنترنت، ولكن لم نتحدث سويًا، أبدًا، عن هذا الأمر.
أتذكر شغفك للحلقات واحدة تلو الأخرى، وأتذكر حماقتي التي دفعتني للسخرية من هذا العالم. ولكنكِ كنتِ على صواب، كعادتك، هل تتذكرين مملكة الخواتم؟
تحدثت مع الكل حول صراع العروش. أعرف تفضيلات الجميع، ولكنني لا أعرف ماذا تفضلين. هل تحبين بيتر بايليش؟ هل تحبين الهاوند؟ هل تتعاطفين مع سيرسي بعد أن سارت عاريةً في المدينة؟ هل يجذبك رامزي سنو؟ هل ترين مثلي جون سنو أحمقًا محدود العقل؟ هل الكاليسي مثيرة؟ هي ذكاء تيريون لانستر يثير اهتمامك؟
أعرف تفضيلات الجميع، ولديَّ تفضيلاتي ولكنني لا أعرف ماذا تفضلين. ستظل تفضيلاتي وانطباعاتي غير مستقرة، غير ثابتة، غير أكيدة، لأنها لم تخضع لوحدة قياسنا للعالم، إنها تفتقد الطمأنينة.
مرّ عامان. ثقيلان أحيانًا وخفيفان أحيانًا. ولا أقول بعضهما كان ثقيلًا وبعضهما كان خفيفًا، لا، هما، كوحدة واحدة، مرة أراها ثقيلة ومرة أراها خفيفة.
مارست في العامين كل ما أحب وبعض ما أكره. وقعت في الفخ مرة، تذكرت نصيحتك الأخيرة ولكنَّ الفخ كان قاسيًا بأقصى مما توقعتِ. اختبرت أشياء جديدة، أتسوق كثيرًا وأضحك عندما أتذكر جملتكِ “الفلوس بتقرّصك”. نعم، تضاعف مرتبي ثلاث مرّات ومازلت لا أستطيع أن أكنز المال.
ما زلت أتخيل الأثواب التي تعجبني عليكِ بالذات.
بعضهم يراني سفيهًا، ولكنني أفضّل أن أدّلس وأقدّم نفسي كنبيٍّ يا يأبه بكنز الأموال. ولكنني لن أخبر أحدًا غيركِ، أنني عندما أتحدث عن الأنبياء في هذا السياق، فإنني أكذب.
أنا لا أكتب لكِ هذه الرسالة من أجل أن تقرأيها، أو من أجل أن تردّي عليها، أو من أجل أن تعيدي لي مقياس الأمور، أو من أجل أن ترسلي لي صورة آريا ستارك مع توقيعك، فأنا فعلت أشياءَ سيئة تصيبك بالغثيان لمجرد ذكر اسمي. أنا فقط أكتب لأنني مللت الحديث عنكِ عندما أرغب في الحديث معكِ. لقد مللت أصلًا الحديث معهم، جميعًا.
أريد أن أسجل، أنني أرغب فقط أن نتبادل الحديث!