حب
سوناي آكن
قدرة إبصار
ـمجردـ ريشة بيضاء
انتثرت بين ندفات الثلج
لطائر مهاجر احتمى
بالإفريز
يكون
الحب
عن التركية مي عاشور
Lint Roller? I Barely Know Her
Interview Vampire Daily

Jar Jar Binks Fan Club

titsay
d e v o n
Cosimo Galluzzi
Cookie Run:Kingdom Official!
hello vonnie
sheepfilms
PUT YOUR BEARD IN MY MOUTH
NASA
★
Sade Olutola
tumblr dot com
EXPECTATIONS
Monterey Bay Aquarium

bliss lane
The Stonewall Inn
Not today Justin
seen from United States

seen from Singapore

seen from United States

seen from United States
seen from United States
seen from China

seen from United States

seen from Philippines

seen from Japan
seen from Netherlands
seen from Brazil

seen from India
seen from Argentina
seen from Bulgaria
seen from Bulgaria

seen from Brazil
seen from India
seen from Iraq
seen from South Africa
seen from Brazil
@maiiashour
حب
سوناي آكن
قدرة إبصار
ـمجردـ ريشة بيضاء
انتثرت بين ندفات الثلج
لطائر مهاجر احتمى
بالإفريز
يكون
الحب
عن التركية مي عاشور

Anya is live and ready to show you everything. Watch her strip, dance, and perform exclusive shows just for you. Interact in real-time and make your fantasies come true.
Free to watch • No registration required • HD streaming
مثلما ينتهي أي حب، انتهى هذا الحب،
كمرض طال
كمعزوفة تركية تقليدية أنصت إليها دون فاصل
كنسياني للتطلع إلى الأفق، وكتابة رسالة إلى الأصدقاء
وروي الأزهار
هكذا انتهى
أحمد تلي
-مقتطف-
عن التركية مي عاشور
قطعنا الرجاء من المطر
ولو ارتسمت غيمة ضئيلة
على شكل قلب
في الأفق
سوناي آكن
عن التركية مي عاشور
چو جوه بينغ: الظلام يفترش أمامي كساحة ممتدة
بقلم مي عاشور
قادت حالة الفقدان الكاتب والفيلسوف الصيني چو جوه بينغ إلى تحويل ألمه الخاص إلى عمل أدبي فريد ،ومؤلم، وملهم في الوقت ذاته، إذ فاض ألم الكاتب من قلبه ليغمر الصفحات. وتجسد هذا الألم العظيم في الفقد بشكل رئيسي، وغيره من المشاعر القاسية، قد تحول إلى جريان من المشاعر المتدفقة، وأفكار فلسفية وتأملية، كلها ساعدت الفيلسوف على تجاوز محنته الصعبة. الفقد مرعب؛ فهو شعور يحاول المرء الهروب منه قدر الإمكان، ولكن ما نراه من خلال "نيو نيو" هذا العمل أن كل الثقل الذي ملأ قلب المؤلف، كان هو نفسه طريقاً للنجاة والخلاص، والمرآة التي عكست له العديد من الحقائق في هذه الدنيا.
كنت التقيت الفيلسوف الصيني چو جوه بينغ، للمرة الأولى، في بكين سنة 2014 ، وحينها أهداني عدداً من أعماله موقّعة منه، وكان من بينها كتاب " نيو نيو"، والذي أهم ما يميزه هو أن مؤلفه أديب وفيلسوف، فنجد أننا أمام عمل أدبي تمتزج فيه الفلسفة بشكل بسيط وممتع .دَوّن چو جوه بينغ تجربته الشخصية الصعبة، ولكنها الباعثة للأمل في الوقت نفسه. وقال إن هذا الكتاب لا يُعَدّ شخصياً؛ لأنه لا يحكي حكاية متعلقة بأسرة صغيرة، بل حالة إنسانية شائعة يمر بها البشر.
"نيو نيو" بلهجة أهل الشمال في الصين، تعني ابنه صغيرة. والعمل يتناول تجربة الأبوة الأولى للكاتب، فيسرد لنا مشاعر استقباله لطفلته، وعجزه عن إنقاذ حياتها، ولوعة فراقها. فبعد عام ونصف العام، رحلت الطفلة، لإصابتها بالسرطان. ووفقاً لما جاء في مقدمة الكتاب:
"نيو نيو التي أحكي عنها في الكتاب، هي طفلة مصيرها أليم، عاشت لعام ونصف العام فقط، وفارقتني مبكراً جداً. لكنني قطعاً، لا أدعوكم لقراءة هذا الكتاب باعتباره قصة مأساوية. القصة المأساوية ليست سوى حدث، وما يمكنكم رؤيته؛ أنه في أوج المصائب، يكون للإنسان تجربة حياتية أصدق، ويتولد عنده تفكير أعمق تجاه الدنيا"؟ ويوضح چو جوه بينغ بنية الكتاب، بقوله: "الفكرتان الرئيسيتان للكتاب هما: المعاناة والحب الأسري. من خلال حياة نيو نيو القصيرة، والعابرة كوميض شهاب امتزجت معاناتي بحبي الأسري، إلى جانب تجربتي الاستثنائية. فقد حَفَرت المعاناة في قلبي مشاعر أبوية لا تُنسى، كذلك دفعني رباط الدم للانطلاق في رحلة تفكير في المعاناة. ولكن المعاناة والحب الأسري ليسا شيئين استثنائيين في حد ذاتهما، بل يكمنان بداخل كل إنسان بشكل أو آخر"، ويتابع الطريق الذي ستقطعونه ممتداً وطويلاً. أود أن أقول لكم، ربما في المستقبل، ستسعون وراء شتى أشكال السعادة الموجودة في الحياة، ولكن تذكروا أن أهم سعادة موجودة بجواركم، هي الحب الأسري العادي.وعندما تتعرضون لمعاناة ما في المستقبل، يمكنكم اللجوء إلى شخص، يمد يد العون لكم ويواسيكم، وتذكروا دائماً أن شيئاً واحداً بوسعه أن يطفئ نور قلوبكم ويثقلها بظلال معتمة، وهو الوقوف بقوة وثبات وكأن شيئاً لم يحدث. في رأيي، بتقدير المرء لصلة الدم والحب الأسري، وكذلك عند تحمله بشجاعة للعذاب الذي يرهق قلبه، فسيكون قد حقق نجاحين عظيمين في الحياة"
قال چو جوه بينغ في وصفه لهذا الكتاب:" لا أدري كيف ينبغي عليّ تصنيف هذا الكتاب. فهو لا يشبه الرواية؛ لأن تنقصه العناصر الأساسية لها: كالحبكة الخيالية. وهو أيضاً لا يندرج تحت النثر؛ لأنه طويل جدًا. وكذلك يُستَبعَد تصنيفه كأدب توثيقي؛ لأن بطلته رضيعة عاشت لعام ونصف العام فقط، وبالتالي لا يوجد ثمة إنجاز مؤثّر يستحق التوثيق. وفي النهاية، ما توصلت إليه في قرارة نفسي: أنه كتاب لا يشبه شيئاً؛ فهو ليس سوى مسيرتي في الحياة، ومثل هذه الرحلة الاستثنائية لا سبيل لتصنيفها من الأساس"
يتميز هذا الكتاب بكونه حقيقياً، ينقل القارئ ليعيش تفاصيل الأحداث التي رواها، ويشارك الكاتب في كل اللحظات. يصف چو جوه بينغ ميلاد ابنته، بكونه تغييراً للعالم، بل ويرى أن العالم صار جديداً كلياً لوجودها فيه، وخاصة أنه لطالما تمنّى إنجاب فتاة:" كنت أتطلع لانجاب فتاة لأن المرأة منحتني هدية الحياة، وأنا أرغب في رد هذه الهدية لها - بامتنان - في صورة امرأة، ولأنني أعلم أنني سأكون أباً يدلل أبناءه، أخشى أن أفسد ابني من فرط تدليله، ولكنني لا أخشى تدليل ابنتي؛ لأن الابن يمكنه أن يشاركني وحدتي وحسب، أما الابنة يمكنها أن تشاركني وحدتي وتطمئنها"
عندما أكملت المولودة نيو نيو شهرًا من عمرها، كتُشفَ أنها مصابة بورم. وبعد فحصه اتضح أنه ورم سرطانيّ لا علاج له ولا شفاء منه. وصف چو جوه بينغ هذه اللحظة، بقلم أديب وفكر فيلسوف، قائلًا:" في اللحظة التي خرجنا فيها من باب المشفى محتضنين نيو نيو، ووقفنا في الشارع، ودموعنا تغمر وجوهنا. لم نعرف إلى أين نذهب، فالذهاب إلى أي مكان لا معنى له. وحينذاك، كان السائرون في الشارع كأطياف متداخلة مع السيارات. ففي طرفة عين، انهار ذلك العالم الجديد الذي ولد مع نيو نيو، ولم يكن هناك سبيل لاستعادة العالم القديم الذي كان موجودًا قبل ميلادها. كم أن العالم مزيَّف"
الفرح والألم كلاهما مصدر للإلهام، ومحرك للكتابة. منذ ميلاد نيو نيو، بدأ والدها چو جوه بينغ، يدوّن اليوميات، ليهديها إيّاها بعدما تكبر، لكن سبقه الموت. يقول الكاتب واصفاً غياب ابنته الصاعق :" لم تعد نيو نيو في الدنيا ، ولم يعد هناك بيتها المضيء. كان يسود الظلام أمام عينيّ كساحة ممتدة، فقد أصابني العمى. وكأنّ ضوءًا التمع، ثم انطفأ".
بعد رحيل نيو نيو بعام، حبس چو جوه بينغ نفسه في غرفته وشرع في كتابة هذا العمل، يقول:" بالطبع كتبت هذا الكتاب لنفسي. فكم قصة يمكنها أن تكمن في حياة قصيرة كطيف عابر؟ لكن بالنسبة لي أنا وزوجتي،قصة نيو نيو هي القصة الأجمل، بل والأكثر إيلاماً على الإطلاق في حياتنا، لا يمكنني أن لا أكتبها".
ويضيف أيضاً:"دوّنت في هذا الكتاب مدى لطف وبؤس نيو نيو، وحالتنا النفسية التي امتزج فيها الحب بالحزن على ابنتنا التي ربيّناها تحت ظل الموت، وتفكيري العميق في الموت وأنا بجوار المهد. كتبت كل هذا؛ لأنه كان عليّ أن أخفف حمل الشوق والحنين الذي أثقل قلبي، وأمضي قدماً مكملًا حياتي"
حقق كتاب "نيو نيو "نجاحاً كبيراً، وأثر في قطاع كبير من القراء الصينيين، ورغم أنه صدر للمرة الأولى عام 1996 ، فما زالت تصدر منه طبعات جديدة مختلفة. حاز الكتاب على المركز الأول للجائزة القومية للكتب الشبابية المميزة في الصين عام 1998.
نشر في مجلة كتاب 2025 عدد إبريل
الحب ليس ضرورياً ولكن في غيابه تملك القلب وحشة، والأيام الموحشة قاسية، أوحده الحب، وهو المؤلم؟
سان ماو
عن الصينية مي عاشور

Anya is live and ready to show you everything. Watch her strip, dance, and perform exclusive shows just for you. Interact in real-time and make your fantasies come true.
Free to watch • No registration required • HD streaming
وانغ جوه چن:همس
ترجمتها عن الصينية مي عاشور
تعالي،
سأبوح لكِ بسر،
لن أخبر به الغيوم،
وسأخفيه عن النجوم،
لكِ وحدك سأقوله.
لاحقاً،
نبتت لذلك السر،
أجنحة..
فغضبت،
ولكنها لا تدري،
أن من أفشى السر ليس شخصاً آخر،
بل هي.
مي عاشور :يوم يتلوه غياب
وميض خاطف،
لاح في عينيه،
عندما ابتسمت له.
نفس الوميض،
برق في داخلها لوهلة،
عندما جمعت بينهما نظرة.
***
الابتسامة التي ترتسم على شفتيه،
تترجمها: "امتلأ قلبي بشيء".
****
الدرب الذي مضيا فيه،
لم يعد دربًا،
بل ذاكرة وجودهما معًا،
ذات يوم.
***
الوقت يمر كورقة رقيقة،
أطلقت العنان لنفسها في الأفق
قبل أن تتهاوى،
على ضفة النهر الذي يحتضن الجبل.
****
في غيابها،
تبتلعه قتامة،
سبقت لحظة رؤيته لها للمرة الأولى.
****
الحديث الذي طال بهما،
ملأ فراغًا،
تملكهما طويلًا.
****
يُبتر الطريق،
بلحظة وداعهما،
ولكنه يبدو سرمديًا،
مع كل صدفة تجمعهما.
****
الاشتياق،
لا يشتد،
بل يفيض.
****
الكلام،
يضيع،
بين نظرات مطولة.
****
اليوم الذي سيتلو غيابها،
ستأسره عتمة ليله الوحيد.
****
فاض ما بداخله،
وجرفه إلى بعيد.
****
ليس كل عابر ماض،
ولا كل باق أبدي.
****
كل الأماكن التي مرا بها،
ستفتقد طيفهما.
****
تصبح كل المشاعر حقيقية،
لو بقيت وحيدة،
في مواجهة المنطق.
****
فصل بينهما جدار،
من التجاهل والسكوت.
****
لو تحول اللقاء إلى شيء،
فسيكون أسرابًا من الطيور المغردة.
أما الفراق،
فهو يوم يتلوه غياب،
غيبهما،
وغياب الحكاية، والمكان.
****
كل ما لم يقل،
يبزغ في وهج ابتسامتهما.
****
يفصل بينهما،
ليل ونهار،
ومسافات،
وضفتان محاذيتان،
ولكن لا زالت خطاهما متقاربة.
****
لا يتحقق الوداع،
إلا عند نفاذه إلى القلب.
****
الهدوء الذي لازم،
وقع خطاهما،
كان كلامًا،
غضا الطرف عنه.
****
بعد غيابها،
ابتلعت أيامه،
هوة من الفراغ.
نشر في ضفة ثالثة
٢٥ مايو ٢٠٢٦
مي عاشور: ومضات ذهبية في ساحة جامعية
وقت يمر مثل ماء متدفق، مثل غيوم تدفعها الرياح، أو مثل حلم جميل يتلاشى تدريجيا. لا يمكننا أن نجمد الوقت، أو نوقفه، أو حتى نعيده مجددا. لذا؛ علينا تقدير ومعرفة قيمة كل لحظة نعيشها.
العودة- مجددا- إلى الأمكنة التي ذهبنا إليها من قبل، هي من أشكال إعادة الزمن لنفسه في صورة أخرى، وحينها، يمنحنا فرصة لرؤية المكان بشكل جديد، فنبصر تفاصيله بعمق، ونلاحظ بعضها للمرة الأولى، وكأن شيئا ما يخطف بصرنا، ويجذبنا إليه. عدت إلى بكين بعد أعوام طوال. عندما وصلت، كانت الشمس في طريقها للأفول، لتعلن عن انتهاء اليوم. أصعد إلى الطابق السادس للسكن، ردهة هادئة، وأنوار خافتة تتوهج- تلقائيا- كلما مضيت قدما بخطواتي. هذا هو منزلي الجديد، والمؤقت، في بكين.
أين أنا؟ وماذا أفعل؟
أنا في كلية بكين للغة والثقافة الصينية، للمشاركة في برنامج اللغة الصينية لشركاء "الحزام والطريق"، والذي نظمته وزارة التجارة الصينية، واستضافته هذا الكلية العريقة التي أنشئت في عام 1950 ويقع مقرها الحالي في حي تشانغبينغ بالعاصمة الصينية. البرنامج مدته ثلاثة أسابيع، مما يعني فرصة وفيرة لاستكشاف المزيد. لم أستوضح ملامح المكان؛ لأن الليل كان قد أسدل ستاره، تجولت قليلا في ساحة الكلية، ثم غلبني تعب السفر، فعدت إلى السكن. في اليوم التالي، استيقظت مبكرا جدا، بفعل فارق التوقيت، وقررت التجول في الكلية. المكان لطيف، به هدوء قرير، تصاحبه خيوط الشمس الخافتة. ساحة الكلية أشبه بحديقة محاطة بالأشجار والأزهار، وهناك نافورة وجسر وجوسق على الطراز الصيني التقليدي. وفي الجوار ملاعب وصالة للرياضة.
يهدف البرنامج للتعريف بالصين عن كثب، من خلال محاضرات متنوعة عن الثقافة والتاريخ والاقتصاد والعلاقات الدولية، بالإضافة إلى اللغة الصينية. من خلال محاضرة من المحاضرات، عرفت كيف تهتم الحكومة الصينية بكبار السن، وفهمت أكثر عن مبادرة "الساعات الصحية الرقمية"، والتي تمنح للمسنين؛ وهي عبارة عن ساعات ذكية لرصد الحالة الصحية ومراقبتها، بل والعمل على التذكير بشرب الماء ومواعيد الدواء، كما أنها مزودة بخاصية مكالمات الفيديو ومراسلة الأقارب والجهات المسؤولة، في حالة وجود أزمة صحية يتعرض لها كبار السن. مما يشجعهم على ممارسة حياتهم والخروج، والتنزه بشكل طبيعي دون قلق أو خوف.
كان معظم المشاركين في البرنامج من أفريقيا، بالإضافة إلى جمهورية منغوليا وبلغاريا. يتيح البرنامج فرصة التعرف على أصدقاء من دول مختلفة، ومن ثم وجود حوار بين الثقافات. ذات يوم، صعدت معي- إلى الطابق السادس للسكن- فتاة من جمهورية منغوليا، ومشت معي في نفس الردهة، واتضح أنها جارتي في السكن. ابتسمت، لم أعد بمفردي في هذا الطابق، بل أصبح لي جارة، وتطورت الجيرة إلى صداقة فيما بعد.
البقاء في بكين ممتع بالنسبة لي؛ ببساطة لأن لدي عائلة كبيرة من الأصدقاء، وبالطبع كان من حسن حظي أنني التقيت بالعديد منهم. على الرغم من أن سنوات فصلتني عن لقائي الأخير بهم، لم أشعر بهذه الفجوة الزمنية، كأنني تركتهم أمس. بعد مرور يومين، تطلعت للخروج من الجامعة، والتجول حولها، بحثت عن أقرب مكتبة، والتي كانت تبعد مسافة عشر دقائق بالسيارة. في الصين العديد من المكتبات على الطراز المعاصر، تجمع بين كونها مكتبة ومكانا للقراءة والعمل واحتساء القهوة. المكتبة التي ذهبت إليها كانت صغيرة، ولكنها جميلة، بل ومختلفة.
جولة بين الماضي والحاضر
نظم البرنامج زيارات إلى أماكن تاريخية مختلفة في بكين، وكان من بينها المعبد السماوي. أحب هذا المكان. فعندما تلاحقت خطواتي في الممرات المؤدية إلى المعبد، أصبح المشي فيها، كالتجول في لوحة من الزخارف الصينية المبهجة. أستعيد- في قرارتي- بعض المعلومات حول المعبد السماوي، فقد كان يعتقد- في الصين قديما- أن الإمبراطور هو صاحب السطلة المطلقة، والتي يستمدها من السماء. شيد المعبد في عام 1420، وتطور في فترة أسرتي مينغ وتشينغ (1368- 1911م)، ليقدم الإمبراطور القرابين للسماء، وكذلك الدعاء من أجل حصاد وفير. من خلف جموع الزوار، طل المعبد السماوي متوسطا الأفق، تذكرت أن تصميمه بهذا الشكل المستدير، يعود إلى اعتقاد قديم بأن السماء مستديرة والأرض مربعة.
في المساء عند عودتي إلى الكلية، كان على استلام طرد. سرت، حتى وصلت إلى البوابة الرئيسية للكلية، فهناك توضع الطرود في الصناديق، ولكن آلية الاستلام هذه المرة كانت مختلفة. يفتح الصندوق الموجود به الطرد، عند إدخال رقم مسلسل- يرسل إلى الهاتف- إلى شاشة إلكترونية موجودة في الصندوق. في البداية وقفت أمام الشاشة بتردد، وعندما رآني عامل توصيل الطرود في حيرة من أمري، دلني على طريقة استخدامها.
بعد مرور بضعة أيام، اعتدت أكثر على كلية بكين للغة والثقافة الصينية، وبدت لي كأنها بيتي. في كل صباح، كنت أذهب مبكرا لتناول الفطور. على الأرجح، كان ذلك بفعل فارق التوقيت الذي يوقظني رغما عني. وهناك، كنت أتجاذب أطراف الحديث مع السيدة المسؤولة عن المطعم. في رأيي أن الصينيين لديهم روح المودة الشرقية التي يعلمها العرب جيدا، بل ويميلون إليها دائما.
في يوم آخر، ذهبت مع صديقتي من جمهورية منغوليا، وصديقة صينية لشراء بعض الأغراض من متجر مجاور. وفي المتجر لفت نظري عدم وجود موظف تعطيه النقود لدفع حساب ما اشتريت، بل تفعل ذلك بنفسك؛ عن طريق ماكينة للدفع الإلكتروني، ويكون عن طريق تطبيق "أليباي". وكان الدفع النقدي متاحا أيضا في مكان ما بالمتجر. بعد أن انتهينا، سألت صديقتنا الصينية ما إذا كان ممكنا أن نعود إلى الكلية بالدراجة. أخذنا الدراجات بعد مسح رمز الاستجابة السريع بالهاتف. هذه الدراجات موجودة في معظم الأماكن في الصين. كانت المرة الأولى التي أتجول فيها بالدراجة في شوارع بكين. تحول الطقس الحار إلى نسمات. تبدلت الأجواء فجأة، أو ربما كان شعورا انبعث من داخلي.
تضمن البرنامج الذهاب إلى شينجيانغ. وحتى هذه اللحظة، يغمر قلبي جمال المكان وتفرده. التفاصيل لا تبرح عقلي، أما الكلمات فتتراكم بداخلي استعدادا لتدفقها. ألهمتني الرحلة كتابة هذه الكلمة التي قلتها في حفل الختام، والتي ستكون تمهيدا للكتابة باستفاضة عن الأماكن التي زرتها هناك: "بدأت رحلتي لاكتشاف الثقافة والأدب والفنون الصينية، منذ زمن بعيد. هذه الرحلة ليست متعلقة بزيارة الأمكنة المختلفة في الصين وحسب، ولكن أيضا الغوص عميقا في الثقافة الصينية، وفنونها البراقة، وغيرها من مجالات".
ترك هذا البرنامج أثرا عميقا في نفسي، ومنحني معرفة لا حدود لها، وإلهاما غزيرا. زيارتي لبكين وشينجيانغ، كانت بمثابة نافذة فُتحت أمامي وقربتني من الثقافة الصينية، وأتاحت لي فرصة تكوين صداقات جديدة، من بلاد مختلفة.
نقول إن القاهرة مدينة لها روح، مما يجعلني أشعر بروح المدن وأجوائها. وفي الصين العديد من المدن التي تتمتع بروح فريدة وطابع خاص، بل وتشعرني وكأنني في بلدي. على سبيل المثال، رحلتي إلى قانسو في عام 2024، وإلى شينجيانغ هذه المرة. في أورومتشي، حاضرة منطقة شينجيانغ الويغورية الذاتية الحكم، شاهدت تمازج الثقافة العربية والإسلامية والصينية، ونتيجته المذهلة التي تخلب الألباب. كما أن الطراز المعماري في مدينة توربان، جعل المكان مألوفا لي.
كل رحلة إلى الصين تكون محملة بتجربة جديدة ومشاعر مختلفة، أدونها لنفسي، ولكنني أشاركها مع الجميع. بل وأرتحل إليها من حين إلى آخر، وأسترجع كل تفاصيلها.
--
مي عاشور، كاتبة ومترجمة من مصر.
نشر في مجلة الصين اليوم
أكتوبر 2025
أولكو تامر: في ظلمة الليل
في ظلمة الليل
أطلقت صوتي إلى الماء
فتحول فجأة إلى موال
المركب العابر من البحر
في ظلمة الليل
ابتسمت لغيمة
فصار المطر المتساقط على شعرك
قوس قزح في وضمة عين
في ظلمة الليل
أمسكت نجمة في الأفق
لامسك وميضها
فأزهرت وردة في قلبك
ترجمة عن التركية مي عاشور
مي عاشور: ذات نهار في أورومتشي
أغمضت عيني، وكأن تساقطت في قلبي أمنية، احتفظت بها طويلًا، حتى تحققت. أدركت ذلك عندما وجدت نفسي أقف أمام لائحة مكتوبة بحروف عربية، وبعض معانيها أفهمه باللغة التركية، إنها اللغة الأويغورية، التي تنتمي إلى عائلة اللغات الأتراكية. كنت قد وصلت توًا إلى مطار أورومتشي، عاصمة منطقة شينجيانغ الأويغورية ذاتية الحكم (والتي تكتب شىنجاڭ بالأويغورية). كأن المدن تصغي إلى ما يجول في داخلنا، وحينها تفتح لنا طريقًا يحملنا إليها. استغرقت رحلة وصولي إلى شينجيانغ من بكين ـ بالطائرة ـ قرابة خمس ساعات. مساحة شينجيانغ مترامية، تغطي سدس المساحة الإجمالية للصين، وتقع شمال غربها. هناك تمتزج الحضارة الإسلامية والصينية، ويتجلى نسيج مضفر من ألوان التنوع الثقافي والثراء الفني. كما أن حدودها تلتقي مع 8 دول، من بينها: روسيا، ومنغوليا، وأفغانستان، والهند. رغم التعب، تقودني قدماي للمشي. وكأن الخطى المتعبة تتلاشى، وتتبدل بأخرى مفعمة بالشغف، فيصير الدرب هين الخطو. انبعث في داخلي شعور بأنني أسير في مكان مألوف، رغم أنها المرة الأولى التي أذهب فيها إليه. الساعة تقترب من التاسعة والنصف مساءً، أرنو إلى الأفق، فتترقرق أشعة الشمس ملامسة بصري. مستحيل الإلمام بمعرفة مدينة في أيام، ولا أشهر، ولا حتى عام، ولكن المشاعر التي تنبت مصاحبة للانطباعات الأولى لا يمكن تخطيها، أو تجاهلها، أحيانًا تكون أشبه بالحدس، الذي قد يقودك إلى شيء، أو يدفعك إلى الترجيح بين شيئين، فيستغلق عليك تفسير السبب، أو شرحه. ابتعدت عن نقطة انطلاقي لأكثر من ساعة. أورومتشي صاخبة، تزخر بالحياة. الليل على مشارف الانتصاف، ولكن أشعر أنني في وضح النهار. شارع طويل يعج بالبشر، وتتعالى فيه نداءات الباعة، ملتحمة بموسيقى شرقية تتناهى إلى الآذان. ألمح المنتجات المحلية، ولكن الفاكهة كانت أكثر ما يباع. فشينجيانغ تشتهر بفاكهتها الحلوة والمتنوعة، ومن أشهرها بطيخ خامي، وعنب توربان، وغيرهما. ويرجع طعم الفاكهة المختلف إلى طول فترة النهار، وكذلك تباين درجات حرارة الطقس بين الليل والنهار، ومصادر المياه الطبيعية النقية والعذبة. في شينجيانغ رأيت الجبال الخضراء السامقة، التي يكسوها الثلج، والأنهار، والبحيرات والوديان، والمروج، بل ومررت على الصحاري التي يسير فيها الجمال. شينجيانغ منطقة متعددة القوميات، فيها قوميات مثل: الخاساك، المنغول، خوي، التتار، الخان، القرقز، التجاك، ويشكل عدد الأويغور 48% من تعداد السكان بها. على مدى قرون متمادية، تواجدت في شينجيانغ ديانات ومعتقدات متعددة، ومنها الشامانية، والبوذية، والطاوية، المانوية، وغيرها، حتى دخلها الإسلام نهاية القرن التاسع، وبداية القرن العاشر. ففي البداية كان حكام الدولة القاراخانية يؤمنون بالديانة البوذية والمناوية، ولكن، في ما بعد، اعتنقوا الإسلام. وكذلك كان للعرب دور في نشر الدعوة الإسلامية في الصين، على طريقي الحرير، البري والبحري. ففي عصر أسرتي تانغ وسونغ، جاء العرب إلى جوانغ جو، وتشوان جو، عبر طريق الحرير البحري، ونشروا الإسلام بمعاملتهم الطيبة في جنوب شرق الصين. في اليوم التالي لوصولي إلى أورومتشي، ذهبت إلى حديقة الجبل الأحمر، والتي بنيت فوق الجبل الأحمر. وسمي بهذا الاسم للون صخوره التي تميل إلى اللون الأحمر، أو الطوبي الفاتح. ومن الأساطير المشهورة حوله أنه ذات يوم هرب تنين من بحيرة الجبل السماوي، فقطعته شي وانغ مو (وتعرف بملكة أم الغرب، وهي من آلهة الأساطير الصينية) بسيفها إلى نصفين، فتحول نصفه إلى جبل ياماليك، ونصفه الآخر إلى الجبل الأحمر. أما سيف شي وانغ مو فتحول إلى نهر أورومتشي. حديقة الجبل الأحمر من أشهر معالم المدينة. عندما دخلتها، داومت السير في طريق صاعد، ومررت على معبد بوذي. وعند نقطة ما لاح لي مشهد بانورامي مذهل للمدينة بأسرها. وفي أقصى نقطة للحديقة، كان هنالك برج أحمر صيني تقليدي يعود تاريخه إلى 200 عام.منظر مدينة أورومتشي من حديقة الجبل الأحمر
في الصين، معظم المدن فيها متاحف خاصة بها. ومن بين الأماكن التي زرتها متحف منطقة شينجيانغ الأويغورية ذاتية الحكم. المتحف كبير، وفيه قاعات عرض كثيرة أتاحت لي رؤية الكنوز الثقافية والتاريخية لشينجيانغ، والتي شهدت على أن الثراء الثقافي، والعمق الحضاري، وتعدد القوميات، التي يبلغ عددها 56 قومية، جزء لا يتجزأ من هوية الصين.متحف منطقة شينجيانغ الأويغورية ذاتية الحكم
فهمت أكثر، من خلال المتحف، أن شينجيانغ كانت بمثابة بوابة لتواصل الحضارة الصينية مع العالم، بل وكانت طريق تلاقي الثقافات، وجسر تواصل الشرق والغرب، ونقطة مهمة على طريق الحرير قديمًا. يعرض المتحف تاريخ شينجيانغ على مدى عصور مختلفة، وكذلك تضم قاعات العرض: الآثار التاريخية لشينجيانغ، والمجتمع البدائي بها، والمنسوجات المختلفة، وخاصة الحريرية، وغيرها.... بعد التنقل بين القاعات، عزمت على احتساء القهوة في مقهى المتحف، ولكنه كان مزدحمًا. وربما لأنه كان عيد الأضحى، كانت الأماكن تعج بالبشر. فذهبت إلى الطابق الخاص ببيع الهدايا التذكارية، والذي يقدم للزوار مجموعة متنوعة من القطع الفنية المختلفة، على شكل معروضات المتحف. فكل من الدفاتر، والتماثيل، والحقائب، والأوشحة الحريرية، بل وحتى المثلجات، كانت مستوحاة من معروضات المتحف، وكأن التاريخ يدُمج في الحياة اليومية المعاصرة. لم ينته اليوم هنا. فهنالك مكان آخر ذهبت إليه. زرت "بازار أورومتشي الدولي"؛ وهو من أشهر الأماكن في أورومتشي، بُني على الطراز الإسلامي المميز. هنالك مسجد، وساحة ضخمة مكشوفة فيها مطاعم ومتاجر، ومقاه، وأسواق. الأجواء هناك تشبه خان الخليلي.بازار أورومتشي
سرت صوب السوق المغطاة، التي تبيع الهدايا والمنتجات الخاصة بالمدينة، ومن بينها السيراميك المزخرف، والحلي، والآلات الموسيقية المختلفة، ومنتجات الجلود. ثم دلفت إلى ممر ضيق للمشغولات اليدوية، وملابس القوميات المختلفة. وهناك، رأيت دكاكين تبيع الفاكهة المجففة، والحلوى التقليدية المتنوعة الخاصة بشينجيانغ، والتي قدمها لي الباعة ـ بترحاب ـ لتذوقها. وعندما خرجت من الجهة الأخرى للسوق المغطاة إلى الساحة المكشوفة المكتظة بالبشر، لمحت عربات مصطفة لبيع المأكولات وأسياخ الكباب. وفجأة، تسلل إلى أنفي عطر الخزامى، فوجدتني أقف أمام متجر لبيع الخزامى ومنتجاته، فيما بعد علمت أن شينجيانغ فيها أكبر مزارع للخزامى في الصين، والذي يزدهر في شهر أيار/ مايو، وموسم حصاده يكون بين شهري حزيران/ يونيو وتموز/ يوليو.بازار أورومتشي ويظهر أحد جوامع المدينة
عندما التفت إلى الناحية الأخرى، وقعت عيني على تمثال بعمامة وإلى جواره حمار، نعرفه في الوطن العربي بجحا، أما الصينيون فيطلقون عليه "آفانتي"، أي أفندي، وتعني باللغة الأويغورية "أستاذ"، أو "معلم". ويقال إن أصل شخصية "آفانتي" هو نصر الدين خوجا التركي، الذي عاش في القرن الثالث عشر الميلادي، واشتُهر بقصصه الطريفة التي استوطنت قلوب الناس.
انتهى اليوم، ولم ينته النهار بعد. أورومتشي مدينة لا يأفل نورها، لا أقصد هنا النور الساطع في الأفق، بل ذلك النور الذي ينفذ إلى الوجدان، وتستضيء به الخطى، فيربط المرء بالمكان، رغم العبور الخاطف، والبقاء المؤقت. بل ويجعله يألف الحيز، بالرغم من فجوة المسافات، وكل التباينات. ببساطة، لأنه نور متفرد، مشبع ببريق الشرق، وسحر فنونه، وكرم ثقافته، وضيافته.
نشر في ضفة ثالثة 14 يوليو 2025

Anya is live and ready to show you everything. Watch her strip, dance, and perform exclusive shows just for you. Interact in real-time and make your fantasies come true.
Free to watch • No registration required • HD streaming
مي عاشور :الحب في مواجهة اليأس:فلنحرك الشمس معاً
الحب في معانيه أعمق بكثير في أن يختزل في باقة زهور أو لقاء أو كلمات رقيقة، لأنه وميض أمل يحيي القلوب وجمال ينعكس على ملامح المرء ويضفي عليها بهجة، ويمنحه الشجاعة ويجعله يدرك معنى التضحية في سبيل من يحب، حتى لو كانت هذه التضحية هي انسحاب أو إطلاق سراح ذلك الحب في سبيل سعادته. في كثير من الأحيان، لا يظهر الحب في أجواء وردية لطيفة، بل وسط غيوم اليأس والرؤية القاتمة. وهنا يكون قد نما رويدا رويدا، فتصبح له جذور تقف في مواجهة الرياح المتلاطمة، لا يتراجع أو يتلاشى، بل يصير أقوى وأصدق.
في الأيام الماضية، شاهدت فيلما صينيا اسمه "فلنحرك الشمس معا"، والاسم الإنجليزي للفيلم هو Viva" "La Vida. لمست فكرته قلبي وجعلتني أتأمل الكثير من الأشياء. تدور قصة الفيلم حول شاب وفتاة جمع بينهما المرض والحب. يبدو أن الفيلم رومانسي، ولكنه في الواقع يتناول شيئا أبعد، فهو يحكي قصة إرادة وتمسك بالحياة، وكيف يمكن أن يضفي الحب بريقا على حياة الإنسان؛ فقد يخفف آلامه ويطيب أحزانه ويمنحه شجاعة المواجهة.
يبدأ الفيلم بتسجيل فتاة شابة اسمها لينغ مين، لمقطع فيديو قصير تبحث فيه عن شاب للزواج، ولكنه لم يكن طلبا عاديا للزواج لأنها مريضة ومصابة باليوريميا. لقد تغيرت حياتها رأسا على عقب منذ أن أصيبت بهذا المرض. هي تبحث عن شاب مصاب بورم يوافق أن يتبرع لها بكليته، ولو رحل مبكرا عنها، فسوف تعتني بوالديه وترعاهما. لكن الصعوبات تأتي تباعا، فسرعان ما يُطلَب من لينغ مين أن تترك البيت التي تقطنه لأنه سيتم بيعه. تشعر لينغ مين أن العالم ينهار من حولها والأبواب تغلق في وجهها، ولم تجد أمامها سوى إرسال مقطع الفيديو الذي صورته إلى مجموعة تواصل لمرضى الأورام على تطبيق "ويتشات"، لكن بعدها تندم وتحذفه فورا. وعلى غير المتوقع، يتواصل معها شاب اسمه ليوي تو من مجموعة التواصل تلك، ويطلب أن يلتقي بها. يوافق ليوي تو أن يتبرع للفتاة بكليته، في مقابل أن تعتني بوالدته بعد وفاته.
سرعان ما تتراجع لينغ مين عن الفكرة، وتقول إنها غيرت رأيها؛ لأن ما فعلته غير صحيح. لكن ليوي تو لا يتخلى عنها، ويتمسك بها. ومع الوقت، يبدأ الحب يستوطن في قلبيهما، فيتدفق الأمل بداخل لينغ مين مجددا، بعدما مرت بفترات عصيبة في حياتها.
ذات يوم، تتلقى لينغ مين اتصالا من المستشفى لإبلاغها بأنه قد تم العثور على متبرع مطابق لها. يصحبها ليوي تو إلى هناك، ولكن عندما تصل وتلتقي بالطبيب، يقول لها إن أهل المتبرع غيروا رأيهم، ورفضوا التبرع. تصاب لينغ مين بحالة من الإحباط الشديد، بعدما ومض أمل الشفاء بداخلها. في الحافلة، في طريق العودة، يعرض عليها ليوي تو الزواج، ويقول إن الطبيب أخبره أن حالته الصحية مستقرة، مثل أي شخص طبيعي، لكن لو عاوده المرض واشتد عليه، قد يموت خلال أسبوع، ولكنه سيحيا لو تبرع لها بكليته؛ لأنها ستكمل حياتها بها، وبذلك كأنها تنوب عنه في العيش. بالفعل، يتزوج ليوي تو من لينغ مين، وتتغير حياتهما، وكأن مرضهما بدأ يتعافى بالحب.
بعد مرور وقت، تسوء صحة ليوي تو، ويعاوده المرض، وتكتشف لينغ مين حقيقة أن مرضه قابل للعلاج. لكن هذه المرة، كان يتطلب الأمر تدخلا جراحيا. يرفض ليوي تو إجراء العملية الجراحية؛ لأنه مر بتجربة صعبة بعد الجراحة الأولى، بقي فيها في العناية المركزة وقتا طويلا ينازع الموت. لكن في نهاية المطاف تتمكن لينغ مين من إقناعه. تنجح العملية رغم صعوبتها، وتُنقذ حياة ليوي تو، وينتهي الفيلم بحفل زفاف لينغ مين وليوي تو، وتبدأ محطة جديدة في حياتهما.
هذا الفيلم مأخوذ عن قصة حقيقة نشرت في تقرير صحفي تحت عنوان "صفقة الزواج الأكثر ربحا، ميثاق أبدي أكثر تحريكا للمشاعر". ينقل فيلم ((فلنحرك الشمس معا)) للمشاهدين قصة حدثت بالفعل في عالمنا، والتي تؤكد على أن الأمل أحيانا يُعثر عليه في اللحظات الأكثر يأسا، وأن بعض القصص الواقعية تظل ملهمة إلى حد تحويلها إلى أفلام درامية وروايات أدبية.
عُرض الفيلم في الصين، على شاشات السينما والمنصات المختلفة في مارس 2024، وحقق نجاحا ساحقا. في نوفمبر 2024، أكمل الفيلم سلسلة نجاحاته حيث حصد ثماني جوائز في الدورة السابعة والثلاثين لمهرجان الديك الذهبي للأفلام، من بينها جائزتا أفضل قصة وأفضل موسيقى تصويرية. وفاز مخرج الفيلم الشاب خان يان بجائزتين، وهما جائزة أفضل سيناريو وجائزة أفضل مخرج.
قال المخرج خان يان: "هناك دائما أفكار رئيسية تربط جميع أفلامي، وأستخدم القصص والأشخاص وجوانب مختلفة للتعبير عنها. هذه الأفكار تتمثل في تقدير اللحظة الراهنة والتفاؤل والعيش بإيجابية." وعبر عن وجهة نظره فيما يخص الفيلم، حيث قال إنه لا مفر من مصادفة أيام غائمة ومطيرة، فتماما في هذه اللحظات نكون في أمس الحاجة لأن نؤمن من أعماق قلوبنا أن الشمس ستشرق من جديد. لذا، فعندما رأى المخرج هان يان المشهد الموجود في الفيلم، والذي ينتظر فيه الشاب والفتاة شروق الشمس في مواجهة بنايات المدينة الشاهقة، شعر أن هذه هي الفكرة التي يتطلع لتوصيلها إلى الجمهور، والتي تتلخص في أننا نحن جميعا ننتظر شروق الشمس، ورؤية خيوطها الذهبية.
لم يكن هذا الفيلم هو الوحيد الذي شاهدته في الفترة الأخيرة، لكن هناك العديد من الأفلام الصينية التي لفتت نظري وأحببتها، بل وتناولت موضوعات مختلفة ومتنوعة، تصحب المشاهد معها، بشكل غير مباشر، في رحلة فنية وثقافية إلى الصين المعاصرة.
--
مي عاشور، كاتبة ومترجمة من مصر.
نشر في مجلة الصين اليوم عدد مارس ٢٠٢٥
مي عاشور :كيف كان يدون الصينيون قبل اختراع الورق ؟
منذ أن أصبحت قريبة من الصين لغة وثقافة، وأنا اكتشف كل يوم أسرارا جديدة عن الحضارة الصينية وتاريخها الطويل. عندما أسافر إلى أماكن لم أزرها من قبل في الصين، تقودني هذه الأماكن إلى دروب جديدة من المعرفة، وتفتح لي آفاقا لم أتطلع إليها مسبقا. ولأنني عربية مصرية، أدرك جيدا ما تحمله تلك البلاد ذات التاريخ المديد، والحضارة العريقة من سحر متفرد مشع، لا يحتاج إلى تنقيب كي يكتشف؛ لأنه ببساطة وضاء خاطف للأنظار، ويجذبك إليه.
رحلتي هذه المرة، بدأت من مقاطعة جانسو في شمال غربي الصين. كل الأمكنة التي زرتها فيها، كانت بمثابة كتاب يفتح لي صفحاته، ويسحبني إلى عالم مغاير ومبهر. أضافت الثقافة الثرية لهذه المقاطعة، الكثير إلى مخزون معلوماتي عن الثقافة الصينية بمختلف جوانبها. بل وكان كل شيء فيها في حد ذاته ثقافة: المشي في شوارعها، والتنقل بين مدنها، وتناول أطعمة القوميات المختلفة، الحديث مع أهلها، والمزارات التاريخية، والمتاحف، والفنون المتفردة المبهجة. كل التفاصيل الصغيرة أوصلتني إلى شيء أكبر. في أيامي الأولى في مقاطعة جان سو، زرت متحف "جيان دو"، والذي يقع في مدينة لان جو حاضرة المقاطعة.
ومن خلال متحف "جيان دو"، علمت للمرة الأولى أنه كانت للصينيين طريقة خاصة في الكتابة والتدوين قبل اختراعهم للورق. لكن ما هو "جيان دو"؟، وما هي هذه الطريقة المبتكرة؟
تشير كلمة "جيان دو" إلى شرائح من الخشب والخيزران استخدمها الصينيون قديما في الكتابة والتدوين. والشرائح الرفيعة والطويلة منها تسمى "جيان"، أما العريضة والأكثر سمكا تسمى "دو". وعادة كانت تجمع الشرائح وتربط معا بحبل أو خيوط حريرية، لتصير مصفوفة مثل قطعة من الورق الطويل الملفوف. وكان الحبر يستخدم في الكتابة على هذه الشرائح بالفرشاة، كما كانت السكين تستخدم كممحاة، لتصحيح أي رمز يكتب خطأ، ولم يستخدم السكين للحفر عليها. وفي البداية كان يصنع السكين من البرونز، وفيما بعد بدأ يصنع من الحديد.
كانت صناعة شرائح الخشب والخيزران تمر عادة بعدة مراحل؛ بداية من التحضير ومرورا بالتقطيع والصقل والتجفيف على النار. ويكون التجفيف خاصا بالخيزران، لأنه يحتوي على نسبه من السوائل، وبالتالي يجب أن يمر بهذه المرحلة أولا، قبل الكتابة عليه. وقد استخدمت شرائح الخيزران والخشب في توثيق السجلات، والكتب القديمة والوثائق والأوراق الرسمية. فهذه الشرائح لعبت دورا مهما في تسجيل مسيرة الحضارة الصينية؛ فمن خلالها يمكن القراءة عن فترات مختلفة من تاريخ الصين، بل والتعرف على العديد من تفاصيل الحياة الاجتماعية والسياسية وغيرها.
يرجع تاريخ استخدام الصينيين القدماء لشرائح الخشب والخيزران إلى ما يقرب من ثلاثة آلاف سنة، حيث ظهرت للمرة الأولى في فترة أسرة شانغ (1600- 1046ق.م). ولا يمكن أن نغفل عن أن فترات أسرة تشين وخان وجين ووي، هي عصور ازدهرت فيها الثقافة الصينية وفاضت بنورها الوهاج، فكان كل من الحرير وشرائح الخيزران والخشب، من أبرز الأدوات المستخدمة في التدوين والكتابة حينذاك.
تم اكتشاف شرائح الخيزران والخشب في القرن العشرين؛ حيث اكتشفت ثلاثمائة ألف شريحة من الخيزران والخشب في جميع أنحاء الصين، منها سبعون ألفا في مقاطعة قانسو وحدها. وتعد مقاطعة قانسو مهد "جيان دو" الذي ينتمي إلى فترة أسرة خان، وتعد شرائح الخيزران والخشب هذه بمثابة كنز نفيس؛ لكونها مادة مهمة وثقت ملامح الحياة السياسة والاجتماعية والسياسة، وشكلت القوة العسكرية والعلاقات الخارجية وطريق الحرير وتاريخه ودوره، وغيرها من ملامح تلك الفترة.
إنسان آلي في المتحف
يعرض متحف "جيان دو" بشكل مبهر أشكال وطرق صناعة شرائح الخيزران والخشب عبر العصور المختلفة، وكذلك الأدوات المستخدمة في الكتابة عليها، بل ويعرف الزائرين بتاريخ الشرائح، وأماكن اكتشافها المختلفة. ويضم المتحف 50129 قطعة معروضة، وكذلك يحتوي على أربعين ألف قطعة من شرائح الخيزران والخشب، ومنها ينتمي إلى فترات أسرات خان ووي وجين، ولكن معظمها يرجع إلى فترة أسرة خان.
المتحف مصمم بشكل عصري رائع، وعلى الرغم من أنه متحف تاريخي فإنه لا يخلو من التكنولوجيا، والتي تتطور بسرعة فائقة في الصين. فبينما كنت أسير في ردهة المتحف، قاصدة قاعة أخرى، كان هناك "إنسان آلي"، وقد اتضح أنه من موظفي المتحف، ومهمته هي مساعدة الزائرين والإجابة على أسئلتهم، وإرشادهم على الطريق.
انتقلت إلى القاعة التالية، والتي تحكي عن تاريخ طريق الحرير القديم، والدور الذي لعبه قديما في تبادل الثقافات وامتزاج الحضارات، وذلك بواسطة الحكايات المحفوظة على شرائح الخيزران والخشب. كما أن المتحف به قاعة مخصصة لتاريخ الرموز الصينية وتطورها، والخط الصيني وذروة ازدهاره وعصوره البراقة.
وبعد اكتمال جولتي في المتحف، وقبل النزول إلى الطابق الأرضي، لمحت لافتة مكتوب عليها "مذكرات رحلة إلى الغرب"، واتضح أنه معرض رسم لفنان صيني معاصر اسمه لاو شو، والذي ذهب من شرقي الصين إلى غربها، وتحديدا إلى ممر خشي الواقع على طريق الحرير القديم، وعندما رأى كهوف الألف بوذا بمدينة دون خوانغ والتماثيل البوذية والخزف الصيني الملون وشرائح الخيزران والخشب والطبيعة الساحرة، وغيرها من الأشياء التي تركت أثرا عميقا في نفسه، عزم على التعبير عنها من خلال فنه ولوحاته. ويقول الفنان لاو شو إن هذا المعرض، هو بمثابة تجربة بصرية استغرقت سنوات من صقل الذات، ومحاولات مستمرة للعثور على طريقة ملائمة للتعبير عن ممر خشي. كما أن اللوحات التي رسمها، يمتزج فيها التاريخ بالفن الصيني المعاصر.
لا يقتصر المعرض على الرسم فحسب، فهناك أعمال من الخزف دمج الفنان فيها الرسم بالخط الصيني.
وبينما كنت أقرأ مقدمة الفنان لاو شو لمعرضه، وقعت عيني على هذه الجملة، والتي لخصت مشروعه الفني: "أكثر ما شغلني، هو التعبير عن علاقة المورث التاريخي والثقافي لهذه المنطقة بنا في الحاضر، وعلاقته بما يجول بداخلي وبالخيال والحرية."
بخطى مضطرة للمغادرة، خرجت من المتحف، ولكنني وجدتني محملة بكنوز من المعرفة عن الحضارة الصينية فاقت توقعاتي. وحينما جال بصري في المكان، أيقنت أن هنا واحدة من أهم المحطات في رحلتي إلى مقاطعة جان سو والتي أتمنى أن أعود إليها قريبا، لأكمل فصولا جديدة من حكايتي مع الصين، والتي لن تكون مجرد كتابة عادية؛ ببساطة لأنها تمتزج بتجربتي الخاصة مع المكان والناس، وما أصادفه في طريقي من منعطفات تجعلني أكتشف قيمة أن يسير المرء في درب اختاره.
--
مي عاشور، كاتبة ومترجمة من مصر.
مي عاشور :جانسو القدر
هل تؤمن بالقدر؟ أنا بدءا من هذه اللحظة، أؤمن به أكثر من أي وقت مضي. لقد كان ذهابي إلى مقاطعة قانسو قدري، ونصيبا كتب لي. لكن لماذا؟
قبل أشهر، كتبت مقالا عن "كهوف موقاو" في مدينة دونهوانغ، وكذلك عن فيلم ((عشق دون خوانغ))، والذي تناول قصة حياة فان جين شي، عالمة الآثار الأشهر في الصين. وتضمن المقال أيضا نص ((في دون خوانغ)) للكاتب والأديب الصيني الكبير جي شيان لين، والذي حكى فيه قصصا بديعة عن الكهوف وتجربته هناك. وفي نفس المقال ذكرت الرسام الصيني الأشهر تشانغ شو خونغ، الملقب بـ"الملاك الحارس لدون خوانغ". فكل هذا أتاح أمامي فرصة القراءة بتمعن عن مقاطعة جانسو وطريق الحرير، الذي تلاقت عليه الحضارات، وامتزجت معا. والآن، تستوقفني، وأنا أخط هذه السطور، تلك الجملة التي كتبتها في نهاية المقال: "من يعلم، ربما الكلمات التي أكتبها، تحملني إلى هناك، يوم ما." وفعلا، وبعد أشهر معدودات، أتيحت لي فرصة الذهاب إلى قانسو. مما جعلني أؤمن أكثر بقوة الكلمات.
أنا مغرمة بالأدب؛ لأنه يجعلنا نفهم أنفسنا، والحياة والآخرين. وما أريد أن أحكيه الآن، ليست قصتي مع الأدب الصيني فحسب، وإنما أيضا حكايتي الأبدية مع الصين. ففي السنوات الأخيرة، قرأت وترجمت العديد من الأعمال الأدبية الصينية، مما جعل دروبي تتقاطع مع عدد كبير من الكتاب الصينيين، والأصدقاء الجدد من كل مكان، وكذلك أتيحت لي فرص للذهاب إلى أماكن مختلفة في الصين، مما ألهمني للكتابة عنها.
الأدب نافذة، نطل منها على عوالم مختلفة تماما، عوالم فاتنة الجمال، بها تجارب مختلفة لبشر كثيرين. فنحن نتطلع دائما إلى اللجوء إلى عالم الأدب للفرار من الواقع الأليم، والعثور على الأمل الضائع، والحياة التي نتوق إليها. والأدب الصيني بالنسبة لي، هو الدرب الذي قادني إلى مقاطعة جان سو، وكذلك هو بوصلتي وخريطتي.
لطالما أحببت السفر، ولكن تغير معنى السفر كليا، لحظة أن بدأت الكتابة. جذبتني العديد من التفاصيل، فدونتها، وأبحرت فيها. ورحلتي إلى مقاطعة جان سو، كانت ثرية ومثمرة، بل وفاقت كل توقعاتي. فالتجربة التي مررت بها، والثقافة الثرية التي تقربت منها، والأماكن التاريخية والأثرية التي وطأتها للمرة الأولى، والحكايات الممتعة التي سمعتها، والتواصل مع أبناء الشعب الصيني في الأماكن المختلفة، وثقافة الطعام الغنية، والدروب التي سرت فيها وحدي متأملة كل ما حولي، كل ذلك ألهمني أكثر للكاتبة عن مقاطعة جان سو ومدينة لان جو. فهذه التجربة لمست أعماق قلبي، وتركت بداخلي أشياء أريد أن أتذكرها دائما.
ولكن كيف ذهبت إلى جان سو؟ جاء الترشيح من سفارة الصين لدى مصر، للمشاركة في برنامج علماء الصينيات الشباب، بمقاطعة جان سو لعام 2024. وتجدر الإشارة إلى أن الجهة المستضيفة للبرنامج كانت وزارة السياحة والثقافة الصينية، كما أن البرنامج نظمه كل من: الشبكة الدولية للروابط الثقافية وقطاع الثقافة والسياحة بمقاطعة قانسو، ومكتب الآثار الثقافية بمقاطعة جان سو، ومتحف جيان دو بجان سو. وكان حفل الافتتاح مميزا؛ لأنه كان في متحف جيان دو (متحف شرائح الخيزران، والتي كانت تستخدم في الكتابة في الصين قديما). إن برنامج علماء الصينيات الشباب، واحد من أفضل البرامج التي تتيح للمشاركين الاستفادة علميا وثقافيا. وهذه المرة كان تنظيم البرنامج أكثر من رائع، وجعلنا نتعرف على ملامح مقاطعة جان سو عن كثب.
عندما نسير في طريق، نحفر فيه آثار أقدامنا، أما هو، فيبقينا في خزائن ذكرياته؛ لأننا حينها نصبح جزءا منه، ويصير هو أيضا دربا من دروب حياتنا. وكل الدروب التي نقطعها هي تجارب ثمينة. فكلما سرنا أبعد، يتسع تفكيرنا ومداركنا، ونكتسب معارف وخبرات، وتتبدل نظرتنا للعالم، لتصير أشمل وأكثر اتساعا من ذي قبل.
قضيت معظم الوقت في مدينة لان جو، ودرست بجامعتها هناك، ولكن أتاح البرنامج فرصة عظيمة للتنقل في أرجاء مقاطعة جان سو ومدنها المختلفة، مما قربني أكثر من ثقافتها وتاريخها. انشرح قلبي، كفراشة تستقبل الربيع، في تلك المرة التي ذهبنا فيها إلى ضفة النهر الأصفر في لانتشو وجسر جونغ شان. منظر النهر الأصفر نهارا، يختلف عن منظره مساء، عندما يسدل الليل ستاره، ولكن يجمع بين المشهدين سحر استثنائي يخطف القلوب والأنظار. وعندما صعدنا جبل باي تا، بدت لان جو مبهرة من القمة. حللنا ضيوفا على النهر الأصفر في المساء، واحتفت بنا نسائمه، وأنواره المبهجة. وعندما ركبنا قاربا وتجولنا بين ضفتيه، شعرت أنني في نهر النيل، ليس بسبب الاشتياق فحسب، وإنما أيضا للتشابه الغريب الذي جمع بين لانتشو والقاهرة في هذه اللحظة. إن ارتباط الصينيين بالنهر الأصفر هو نفس ارتباط المصريين بالنيل، ارتباط وثيق ينبع من الروح، ويكمن في دخائل النفس ومكنوناتها، لا يمكن تفسيره أو تبريره.
في الليل، سرت في شارع للمأكولات، يعج بمطاعم وعربات تبيع كل ما لذ وطاب من مأكولات صينية شهية، منها ما أعرفه، ومنها ما تعرفت عليه للمرة الأولى. بالقرب من نهاية الشارع لاحت أمام عيني بناية صينية تقليدية، ولكن عندما دققت النظر، وجدت مسجدا. هذا التنوع الذي رأيته في نفس الشارع أسر قلبي إلى الأبد.
رأيت الطبيعة التي تخلب العقول، وتبدو كلوحة صينية مبهرة، تلك الجبال الخضراء، والسماء الفيروزية المطعمة بالسحب الرقيقة، والنهر الزمردي المنساب، كان المشهد الذي لازمني طوال الطريق إلى لينشيا. لقد أحببت مدينة لينشيا، وهناك ذهبنا إلى معبد بينغ لينغ، الذي يتجلى فيه سحر الحضارة والفن والثقافة الصينية. في لين شيا أحببت الأجواء القريبة للقلب، وأطعمة قومية هوي، واستمتعت كثيرا برؤية امتزاج الثقافتين الصينية والإسلامية.
بعد يوم، وصلنا إلى محافظة لونغ شي، وكان الخريف قد عزم على الارتحال، ليفسح مجالا للشتاء. هناك ذهبنا إلى قصر عائلة لي، الذي بني في عصر أسرة تانغ (618- 907م). هناك شعرت أنني أمشي بين صفحات كتاب من التاريخ الصيني، تنثر عبقا من العصور الذهبية، فكل ما كان يحاوطني من طراز الأبنية الصينية وحوض النهر الموجود في المنتصف وأزهار البرقوق والنباتات، بعث طمأنينة في قلبي.
وقت السفر ثمين، لا يمكن هدره. لذا، أريد دائما رؤية العديد من الأشياء، وزيارة المزيد من الأماكن، رغم التعب وقلة النوم. أغطش الليل، ووصولنا إلى مدينة تيانشوي، ولكنني عزمت على الخروج، والتجول في شوارعها المضيئة. كان الطقس باردا، ولكن الخطوات في شوارعها بعثت دفئا في قلبي. المدينة لها سحر فريد وقعت في غرامها من النظرة الأولى. وهناك كانت واجهتنا هي معبد فوشي، والذي تم بناؤه في فترة أسرة مينغ (1368- 1644م)، وشيد تبجيلا للبطل الأسطوري فو شي. وكذلك زرنا موقع داديوان، موقع للآثار الحجرية يعود تاريخه إلى ثمانية آلاف سنة.
وفي مدينة جيا يو جوان، التي تقع قرب الجزء الغربي لممر خشي، زرنا ممر جيا يو جوان العريق، وهو جزء مهم من سور الصين العظيم، والذي لعب دورا مفصليا في حركة النقل على طريق الحرير قديما. عندما تجولت هناك، أعادني المكان بسحره إلى تاريخ الصين الثري، والمليء بالحكايات.
لا أنسى محطتي الأخيرة في جان سو، والتي سبقت العودة إلى لان جو لمغادرة الصين، وهي مدينة دون خوانغ، وهناك قضينا يومين فيها. من أجل "كهوف موجاو" عزمت على السفر إلى جان سو، ولكن كيف أثرت في التجربة في رحاب الكهوف، والمدينة، وماذا سأحكي عنها؟
لا يمكن الإجابة هنا، لأن الحكي سيطول، ربما لعدة أيام. سأكتب تفصيلا عن رحلتي إلى جان سو، وكل الأماكن التي زرتها، ليس لفكرة الكتابة فحسب، وإنما أيضا لأن قلبي لن يتسع وحده لكل ما ينبض بداخله، وسيحتاج عقلي إلى ساحات شاسعة لاستيعاب التجربة وسحرها، ولأنني لا أريد أن يظل الجمال الذي تدفق في الأجواء، وغمر روحي، حبيسا في الصور والذكريات. إن كل ما منحتني إياه التجربة، اجتاز مجرد كونها رحلة جميلة ممتعة، بل امتد ليكون أفقا رحيبا، مرصعا بكنوز المعرفة، وشغفا متدفقا للكتابة واللغة الصينية، وحبا يتسع لكل شيء. حينها أدركت أن الحب ليس شيئا مفاجئا، ولكنه يتراكم في القلب مثل زهرة تتفتح على مهل، وتزهر أوراقها برقة. لكن هذا الحب ليس لشخص، بل لمكان، كلما اكتشفته، أحببته، وتعلقت به، وصعب علي فراقه. وجان سو هي ذلك الحب، الذي منحني تجارب وذكريات، ستظل تومض في أعماق قلبي إلى الأبد.
--
نشر في مجلة الصين اليوم عدد يونيو 2025
ملحوظة : جانسو تكتب أيضا قانسو وجان سو
فريد إدغو
عن التركية مي عاشور
الحياة بسيطة حد أن تتسع إلى،
جملة مكونة من ثلاث كلمات،
"الحياة عبارة عن هذا".
***
لا يكون المرء إنساناً بما يفعله فقط،
ولكن بما لا يفعله أيضاً.
***
منذ سنوات
وأنا أفتش عن شخص
أقول له:
"أعد لي حياتي"
***
لم أذهب إلى الحرب
لم أمتلك ثروة
لم أكن صاحب شهرة، أو لقب
***
ثمة شيء ناقص في حياتي بأسرها،
استغلق علي معرفته.
مي عاشور : للقراء مجلة
لطالما كان في الوطن العربيّ مجلات ثقافيّة وأدبيّة تركت بصمة في عالم الثقافة والفكر، وساهمت في توسيع آفاق القرّاء. حتى أنّ توقّفها لم يساوِ اندثارها الأبديّ، بل ظلّت متداولة عند باعة الكتب القديمة، أو على صفحات الإنترنت المختلفة. وبعض المجلات كانت شبه موسوعيّة، بها ألوان ثقافيّة شتّى، وقدّمت للقارئ كل ما هو جديد، بل وعرّفته على أعمال مختلفة من الأدب العالميّ، ونقلت له ملخّصات الكتب، والجديد منها. ورغم أننا الآن في مجابهة موجات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعيّ، إلا أنه لا يزال هناك عدد كبير من القرّاء يرجّحون القراءة الورقيّة. وذلك ما رأيته في الصين، فبالرغم من تغلغل التكنولوجيا في كل تفاصيل الحياة هناك، ورقمنة كل شيء، بما في ذلك النقود، إلا إن المكتبات ما زالت عامرة بالكتب والمجلات الورقيّة، بل وحتى المطارات، والشوارع فيها مكتبات إلكترونيّة تعمل على مدار 24 ساعة، ويمكن استعارة الكتب منها. ولكن أكثر ما لفت نظري هذه المرة هو كيفية توثيق الصينيين لمسيرة واحدة من أشهر المجلات الثقافيّة. وذلك عندما لمحت مجلة "القرّاء"، في "الكشك" المحاذي للمكان الذي أقطن فيه في مدينة لانجو. وفي اليوم التالي علمت أننا سنذهب لزيارة متحف مجلة "القرّاء" ومقرّها. وهي مجلة ثقافيّة وأدبيّة نصف شهريّة، تقدّم محتوى ثريًا يجمع بين مقالات، وقصص قصيرة، ونصوص نثريّة، ونقد، وفنون، ومن خلالها تعرّفت على أعمال مختلفة للأدباء الصينيين.
العدد الأول من المجلة وصور مؤسسيها أصبحت هذه المجلة واحدة من أبرز الرموز الثقافيّة في الصين، بل وأثّرت في عدة أجيال، وتطوّرت وتطوّر معها جمهور القرّاء. ويجدر بنا أن نذكر مؤسسي مجلة "القراء"، وهما خو يا تشوان، وجوان يوان شو، اللذان بدآ في التحضير لها في غرفة صغيرة لا تتعدى أمتارًا قليلة. فكانا يتطلعان إلى إنشاء مجلة قائمة بذاتها، تصدر من مدينة لانجو. يقول مؤسس المجلة خو يا تشوان: "جاء ميلاد مجلة ’القراء’ في عصر تشح فيه الكتب، فكان تجميع مادتها حجر عثرة تقف أمامنا. لذا؛ نشرنا إخطارًا، ودعونا فيه القراء إلى أن يقترحوا علينا أعمالًا جيدة، ليساعدونا في إنهاء إعداد المجلة". حققت المجلة نجاحًا ساحقًا، حتى أصبحت من أهم العلامات الثقافية البارزة في الصين. وفي أبريل (نيسان) عام 2006، تجاوزت نسخ المجلة 10 ملايين نسخة، ولم يقتصر توزيعها على البر الرئيسي للصين، ولكنه امتد إلى تايوان. وحققت المجلة قاعدة كبيرة من القراء في شمال شرقي آسيا، وأميركا الشمالية، وأوروبا. ويبلغ عدد متابعي مجلة "القراء" على صفحتها على تطبيق "وي تشات" - الأكثر استخدامًا في الصين - 7 ملايين متابع. وخلال جولتي في متحف مجلة "القراء"، رأيت الأدوات الأولية التي استُخدمت في الطباعة والنشر، وفيلمًا يوثق لحظة طباعة الأعداد الأولى للمجلة. وبالطبع يُعرِّف المتحف الجمهور بأبرز الشخصيات التي قدمت إسهامات في المجلة، بالإضافة إلى عرض الأعداد النادرة والمميزة.
من أعداد شهر أكتوبر لمجلة "القراء" على جدار منفصل رأيت لائحة الجوائز التي حصدتها مجلة "القراء". ومنها سلسلة جوائز الصحافة القومية؛ فقد حصلت المجلة على "الجائزة الحكومية للنشر الصيني"، عام 2010 وعام 2018. كما فازت بجائزة "أفضل 100 مجلة" عام 2013 وعام 2015، وكذلك حصلت عام 2016 وعام 2018 على جائزة "أجمل مجلة". واختيرت مجلة "القراء" عام 2017، ضمن أكثر مائة مجلة متميزة محببة للأطفال. وفي القاعة الثانية للمتحف، كان هناك جدار صغير ضم أفضل مائة عمل نُشر في مجلة "القراء"، بين نثر، وقصة قصيرة، ومقال. وعلى جدار آخر كُتبت أقوال بعض الكتاب الصينيين عن المجلة، وكان من بينها: "قراءتي لكِ هي قراءة للعالم، فعندما أتصفحك أشعر أنني بحار ذهب في رحلة. إن حزنك رياح متلاطمة، وفرحك هو غيومي. أن أكون قارئًا لكِ هو نوع من السعادة. فإن فكري، هو سبب جمالي، واطلاعي هو سر وجودي" (شو لو). "معظم محتوى مجلة 'القراء'، نقَّب عن الجمال الكامن في مكنونات قلوب العديد من الناس العاديين، وهذا الجمال ليس فخمًا أو متكلفًا، بل صافيًا، ولا يشوبه شيء، لذا سيمتزج كل مقال ونص، وكل عدد من أعداد المجلة، ويصيروا عالمًا روحيًا متفردًا" (يو تشيو يو). "عندما أطالع مجلة القراء، أصير لها قارئًا أبديًا" (چو جوه بينغ). وفي قاعة قائمة بذاتها، عُلقت صور الكتاب والأدباء الذين أثروا المجلة بكتاباتهم المتنوعة. كما أن هناك منفذ بيع لأعداد المجلة. ويضم المتحف 2000 قطعة معروضة.
صورة للمكتبة الإلكترونية في تقديري أن هناك حركة ثقافية قوية في الصين، سواء كانت مدعومة من الحكومة أو من المؤسسات الثقافية المختلفة، وكلها تعكس شكل الصين المعاصرة، التي ترحب بالعالم وتدعوه إلى التعرّف على صورتها الجديدة. ولتصل الصين إلى هنا، مرت بغيابات مظلمة من التاريخ، ولكن عند منعطف بعينه غيرت مسارها، لتبدأ رحلة صعود تتكئ فيها على موروثها الثقافي الخاص، وعلى قدراتها. وقد يكون هذا النموذج، في حد ذاته، باعثًا للأمل بالنسبة إلى كثيرين.
نشر في ضفة ثالثة19 ديسمبر 2024

Anya is live and ready to show you everything. Watch her strip, dance, and perform exclusive shows just for you. Interact in real-time and make your fantasies come true.
Free to watch • No registration required • HD streaming
مي عاشور: عينان
اليوم أيقظتني عينان. وكأنّ الإطار المشعّ لنور الصباح المتسلّل من فراغات شيش النافذة لم يلامس عينيّ قطّ، أو كأنّ هناك حاجزًا غير مرئي في الهواء، صدّ عن أذنيّ صوت رنّات المنبّه التي أستفيق عليها عادة. ظننت أنّ هاتين العينين ظهرتا في منام انتهى لتوّه، وهذه آثاره العالقة في ذاكرتي منذ ليلة أمس، بل وأنّ كلّ هذا سيتلاشى بمجرّد أن يلامس الماء الدافئ وجهي أو تختلط بأنفاسي رائحة قهوة الصباح. لكنّني لم أرَ سواهما طوال الوقت، كانتا تظهران على بلّور النوافذ. وأراهما كلّما أغمضت عينيّ لوهلة لتذكّر شيء، أو كلّما شردت ببصري. لحظة أن لمحت هاتين العينين، تحرّك شيء ما بداخلي لم أقوَ على تفسيره أو الجزم به. أدركت أنّهما فاضتا بشيء اجتاز النظر، ولامس الروح، وكأنّما وضعت يدي على قلبي فوجدته أزهر، رغم برودة كلّ شيء وقتامته. تلك النظرات كانت أشبه بقطرة مياه عذبة باردة سقطت على سطح احتبست به حرارة الشمس مطوّلًا، أو كخطوات خفيفة، دفعت بي إلى ساحة لا ينبعث نورها من السماء وحسب، بل يشعّ كذلك منها. لم تغب هاتان العينان أبدًا، حتّى في غيابهما عنّي كنت ألمحهما دائمًا في الطرقات الممتلئة بالبشر والأخرى النائيات، كانتا تحملان شيئًا لي وحدي، أراه ينبعث منهما. كيف يمكن للمرء أن يتعلّق بطيف عابر، بل ويؤمن بوجوده إلى هذا الحدّ؟ وكيف له أن يتجاهل الغياب، والمسافات، والمنطق، والمعقول؟ ألم تكن بعض الأشياء - التي تحقّقت - في بدايتها مجرّد أطياف لأفكار أو أمنيات عالقة في القلب، ثمّ - بشكل ما لا يمكن تفسيره - اتّصلت بالواقع. فعدم وجود الشيء بشكل ملموس لا يعني غيابه؛ لأنّ أحيانًا يكمن حضوره في هذا الغياب. ألا يبدو كلّ ما نريد الوصول إليه قصيًّا في البداية؟ ألسنا من يحدّد المسافات التي تفصلنا عنه، إمّا بالإيمان به أو بالخوف من عدم إدراكنا له؟ ألا نفقد كلّ شيء مع اللحظة التي نبدأ التعامل فيها مع أحلامنا، ومشاعرنا، وطموحاتنا، وأشواقنا، على أنّها عمليّات حسابيّة بحتة، تسير بالمنطق، والتفكير، والمعطيات؟ النهايات المفتوحة مربكة، تحمل بين طيّاتها احتمالات لا نهائيّة من نسج الخيال، فعندما لا يستطيع المرء رؤية شيء جليّ في الآفاق، يسقط في دائرة مفرغة من الحيرة. أفكار تقاطرت بظلالها الثقيلة على عقلي، عندما فكّرت أنّ هاتين العينين وهميّتان. ماذا لو كانت رؤيتهما مجرّد لحظات عابرة في مجرى العمر الممتدّ، ستستسلم إلى تدفّق الأيّام، وتنجرف ليبتلعها النسيان، فسيصبح مصير كلّ النور الذي غمرني قربانًا للفناء. والآن، كلّ ما يجول بداخلي، وما أتطلّع إليه، كضيّ مصباح يصارع الظلام، يخمد ويضيء، ولكنّه يأبى أن تكون العتمة هي قدره المحتوم. مجدّدًا، وبدون مقدّمات، ومضت هاتان العينان أمامي. ولكن هذه المرّة، كان حضورهما حقيقيًّا وقاطعًا. كانتا كالمرّة الأولى، تحملان تسارع النبضات نفسه، والشيء الذي نما بداخلنا. وحينها أدركت أنّنا قد اجتزنا هوّة غيابنا، وكسرنا رهبة الخوف من المسافات.
نشر في ضفة ثالثة 8 نوفمبر 2024
illustration by Aykut Aydoğdu
معكِ،
أكون كالبيوت المطلة على البحر...
إلهان برك
عن التركية مي عاشور