برامج البكالوريوس في اللغة العربية: من الدفاع عن الوجود إلى إعادة بناء الجدوى
بقلم: د.محمد فايع عسيري
أستاذ اللغة العربية وآدابها - جامعة الملك عبدالعزيز
أثارت التحولات الأخيرة في بعض الجامعات السعودية، ولا سيما ما اتصل منها ببرامج البكالوريوس في العلوم الإنسانية، نقاشًا واسعًا تجاوز البعد الإداري المباشر إلى أسئلة أعمق تمس فلسفة التعليم الجامعي، وعلاقة التخصصات الإنسانية بالمجتمع، وموقع اللغة العربية من خرائط المعرفة المعاصرة. وقد بدا هذا النقاش، في كثير من الأحيان، وكأنه يدور في ثنائية حادة بين من يرفض الإغلاق رفضًا مبدئيًا، ومن يبرره باسم التحول ومتطلبات السوق. غير أن هذه الثنائية، على ما فيها من وجاهة جزئية، لا تمس لبّ المشكلة مساسًا كافيًا؛ لأن القضية ليست في نظري قضية بقاء شكلي أو إلغاء مؤسسي فحسب، بل قضية جدوى علمية، وكفاية معرفية، وقدرة على تجديد الصلة بين التخصص وواقعه.
ومن واقع متخصص في أقسام اللغة العربية، سأقصر حديثي هنا على برامج البكالوريوس في اللغة العربية؛ لأن هذه المرحلة هي التي تتشكل فيها صورة التخصص في الوعي العام، وهي التي تحدد، إلى حد بعيد، نوعية الداخلين إليه، وطبيعة المهارات التي يخرجون بها، ومقدار ما يتركه من أثر في المجتمع. ولعل من أهم ما ينبغي تقريره ابتداءً أن اللغة العربية ليست مأزومة في ذاتها، ولا فاقدة لقيمتها الحضارية أو الوظيفية، وإنما الإشكال كل الإشكال في بعض الصيغ المؤسسية التي قُدِّمت بها داخل الجامعة، حتى غدا التخصص، في بعض وجوهه، أقل من طاقته الحقيقية، وأضيق من مجاله الطبيعي، وأبعد مما ينبغي عن الأسئلة الحية التي يفرضها العصر.
أولًا: إشكالية الاستقطاب وبنية الثقة في التخصص
من القضايا التي لا يجوز تجاوزها في تقييم برامج اللغة العربية مسألة الاستقطاب النوعي. فالتخصص، أيّ تخصص، لا يقاس فقط بتاريخ حضوره أو رمزيته الثقافية، بل كذلك بقدرته على جذب الطلبة المتميزين، وإقناعهم بأن الانتماء إليه ليس خيارًا دفاعيًا أو اضطراريًا، بل مسار علمي له أفقه وقيمته. والواقع يشير إلى أن برامج اللغة العربية تعاني، في حالات غير قليلة، ضعفًا في استقطاب الشريحة المتفوقة من الطلبة، وهو ضعف لا ينعكس على مستوى التحصيل فقط، بل على حيوية التخصص نفسها، وعلى صورته الذهنية في المجتمع.
ومما يزيد الأمر دلالة أن التردد تجاه هذا التخصص لا يصدر دائمًا عن الجمهور الخارجي وحده، بل قد يصدر أحيانًا عن بعض المنتمين إليه أنفسهم حين لا يتحمسون لأن يسلك أبناؤهم الطريق ذاته. وهذه ليست ملاحظة عابرة، بل علامة على اضطراب الثقة في الجدوى، وعلى الحاجة إلى مراجعة صريحة وشجاعة. كما أن بعض مسارات القبول، بما في ذلك بعض برامج المنح، لا تُبنى دومًا على قدر كاف من الانتقائية التي تضمن جودة الداخلين، فيتضاعف العبء على الأقسام، ويزداد التحدي في تكوين مخرجات نوعية قادرة على تمثيل التخصص تمثيلًا مشرفًا.
ثانيًا: غياب التخصصات البينية وانكماش الأفق المعرفي
لم يعد من الممكن في هذا العصر أن يُنظر إلى اللغة العربية بوصفها مجالًا منفصلًا عن سائر الحقول، أو أن تُبنى برامجها الجامعية على تصور يعزلها عن ديناميات المعرفة الحديثة. فاللغات لم تعد موضوعًا دراسيًا مستقلًا بالمعنى التقليدي، بل أضحت ملتقى لحقول متعددة: من اللسانيات الحاسوبية، إلى علم اللغة النفسي والاجتماعي، إلى الدراسات الثقافية، وتحليل الخطاب، والإنسانيات الرقمية، وتعليم اللغات، والترجمة، والاتصال، والإعلام.
غير أن الإشكال في بعض برامجنا أنها ما تزال، إلى حد بعيد، محكومة بتقسيمات موروثة لا تفسح مجالًا كافيًا لهذا التداخل الخصب. فأين العربية من الاستثمار اللغوي اليوم؟ أين حضورها في الصناعات اللغوية، وفي المحتوى الرقمي، وفي الاستشارات التحريرية، وفي بناء الهويات المؤسسية، وفي أسواق الترجمة والتدقيق وصناعة الخطاب؟ وأين موقعها من الأدب والمسرح والفنون والدراما بوصفها مجالات لا تستهلك اللغة فحسب، بل تعيد تشكيلها، وتمنحها حضورًا حيًا في المجال العام؟
إن التخصص حين ينغلق على تصور ضيق لنفسه يفقد كثيرًا من طاقته الإقناعية. ولو أُعيد بناء برامج العربية على أساس بيني رحب، لأمكن للطالب أن يرى العربية وهي تتحرك داخل المسرح، والنص الأدبي، والدراما، والسيناريو، والتحليل الثقافي، وصناعة المحتوى، والاقتصاد الإبداعي، والبيئات الرقمية، بدل أن تبقى محصورة في صورة ذهنية جامدة لا تعكس غناها الحقيقي. وليس هذا ترفًا تنظيريًا، بل شرط من شروط إعادة الحيوية إلى التخصص، وربطِه بمجالات العمل والتأثير.
ثالثًا: التخمة في المقررات التقليدية وغياب التوازن التربوي
لا مراء في أن علوم العربية الأصيلة—من نحو وصرف وبلاغة وفقه لغة—تشكل الأعمدة الكبرى التي لا يستغني عنها المتخصص. غير أن الإشكال لا يكمن في وجود هذه العلوم، بل في نسب حضورها، وطريقة بنائها، ومستوى تفصيلها في مرحلة البكالوريوس. ففي بعض الخطط الدراسية يظهر نوع من التضخم في المقررات التقليدية، حتى يكاد الطالب يُرهق بكثافة معرفية لا تراعي دائمًا طبيعة المرحلة الجامعية الأولى، ولا حاجة الخريج إلى التوازن بين التأصيل والمهارة والتطبيق.
والنتيجة أن الطالب قد يخرج مثقلًا بتفريعات كثيرة، من غير أن يمتلك على نحو كاف أدوات التحليل النصي، والكتابة الأكاديمية، والتواصل المهني، والاشتغال بالمشكلات اللغوية والثقافية الحية. وليس المقصود بهذا الكلام التهوين من شأن التراث أو الدعوة إلى تفريغ البرنامج من أصوله، وإنما المقصود أن التأصيل إذا لم يُحسن تدبيره تربويًا تحول من مصدر قوة إلى عبء، ومن مدخل للتكوين إلى سبب في النفور.
رابعًا: غياب البعد التربوي عن برنامج يرفد التعليم العام
إذا كنا نقر، واقعًا ومآلًا، بأن عددًا من خريجي اللغة العربية يتجهون إلى العمل في المدارس، فإن من المشروع بل من الواجب أن نتساءل: لماذا لا تتضمن برامج البكالوريوس قدرًا أوضح من استراتيجيات تدريس العربية؟ كيف يُعقل أن نُعِدّ طلابًا سيذهبون إلى الميدان التعليمي، ثم لا نمنحهم في أثناء تكوينهم الجامعي ما يكفي من التدريب على طرائق تعليم القراءة والكتابة، وتنمية الذائقة اللغوية، وتعليم النصوص، وبناء الأنشطة الصفية، والتعامل مع الفروق الفردية، وتصميم المحتوى، واستثمار الوسائط الرقمية في تدريس العربية؟
إن هذه الفجوة تكشف عن نوع من الانفصال بين البرنامج ومصائر خريجيه الواقعية. وليس المطلوب أن يتحول قسم اللغة العربية إلى كلية تربية، ولكن المطلوب أن يدرك أن جزءًا من مسؤوليته العلمية يتمثل في تمكين الطالب من حدٍّ أدنى قوي من الكفايات التدريسية، ما دام التعليم أحد المسارات الطبيعية والكبرى لخريجيه. بل إن إدخال مقررات أو مسارات تتصل باستراتيجيات تدريس العربية، وتعليمها للناطقين بها ولغير الناطقين بها، من شأنه أن يوسع أفق التوظيف، ويرفع من القيمة العملية للبرنامج، ويجعل الخريج أقرب إلى الواقع وأقدر على التأثير.
خامسًا: ضعف الاستجابة لقضايا الهوية والتحولات اللغوية الجديدة
تعيش العربية اليوم في فضاء شديد التعقيد، يتداخل فيه المحلي بالعالمي، والفصيح بالعامي، والتراثي بالرقمي، والمؤسسي بالشعبي. والطالب الجامعي يعيش هذه التحولات يوميًا في حياته اللغوية، وفي استهلاكه الإعلامي، وفي تواصله عبر المنصات، وفي تماسّه الدائم مع الإنجليزية وغيرها من اللغات. ومع ذلك، لا تزال بعض البرامج بعيدة عن معالجة هذه الأسئلة معالجة علمية عميقة.
فأين المقررات التي تدرس اللغة والهوية في عصر العولمة؟ وأين النظر في تأثير الإعلام الرقمي على العربية؟ وأين دراسة الازدواجية اللغوية، والتحولات الدلالية في الخطاب المتداول، وقضايا التعريب والنقحرة والترجمة، وأساليب التفاعل اللغوي في شبكات التواصل الاجتماعي؟ إن هذه كلها ليست موضوعات هامشية، بل هي من صميم سؤال العربية اليوم: كيف تُعاش؟ كيف تتغير؟ كيف تؤثر وتتأثر؟ وكيف يمكن للجامعة أن تُخرِّج طالبًا يفهم لغته لا بوصفها ماضيًا محفوظًا فحسب، بل بوصفها كائنًا حيًا يتحرك في العالم؟
سادسًا: جمود المراجع وضمور الوعي بالتطور المعرفي
كذلك تُبتلى بعض البرامج أيضًا بقدر من الجمود المرجعي؛ إذ تعتمد اعتمادًا كبيرًا على أسماء وأعمال مؤسسة ومهمة، لكنها لا تفتح للطالب ما يكفي من النوافذ على التطورات الحديثة في الحقول ذاتها. ومشكلة هذا الجمود أنه لا يكتفي بتقليص القراءة، بل يصنع وعيًا أكاديميًا متأخرًا، يُخيّل إلى الطالب أن ما بين يديه هو الحقل كله، بينما الحقيقة أن المعرفة قد تحركت بعيدًا، واتسعت مناهجها، وتنوعت أسئلتها، وتداخلت أدواتها.
ولا ريب أن الحفاظ على المرجعيات الكبرى أمر مطلوب، لكن بقاءها منفردة في المشهد لا يخدم التخصص. إن الطالب بحاجة إلى أن يرى كيف تطورت الدراسات الأدبية واللغوية والثقافية، وكيف أُعيدت قراءة المفاهيم القديمة في ضوء المناهج الجديدة، وكيف صار الحوار بين المحلي والعالمي جزءًا من صميم التكوين الجامعي.
سابعًا: العربية وسوقها العالمي الذي لا نقرأه بما يكفي
من أوجه القصور أيضا في النظر إلى برامج اللغة العربية، إن بعض الخطابات المحلية ما تزال تتعامل معها وكأنها حقل محدود التداول، مع أن الواقع يدل على أن العربية أصبحت موضوعًا لطلب عالمي متزايد، حضوريًا وعن بُعد، لأغراض دينية وثقافية ومهنية وأكاديمية. وهذا الطلب لا يقتصر على الراغبين في المعرفة العامة، بل يشمل شرائح واسعة من المسلمين في أوروبا وأمريكا وأستراليا، ممن يتطلعون إلى تعلم العربية لفهم النصوص الدينية، أو لتحسين الصلة بالتراث، أو لتقوية الهوية الثقافية، فضلًا عن غير المسلمين ممن تدفعهم دوافع أكاديمية أو حضارية أو مهنية.
وفي هذا السياق تظهر برامج ومنصات ومؤسسات تقدم العربية عن بُعد، وهو ما يكشف عن أن العربية دخلت بقوة إلى الفضاء التعليمي الرقمي العابر للحدود. والسؤال المحوري هنا: لماذا لا تنعكس هذه الحقيقة العالمية على تصميم برامجنا المحلية؟ لماذا لا نُعدّ الطالب ليكون قادرًا على التعليم عن بُعد، وصناعة المحتوى اللغوي، وبناء المساقات الموجهة لغير الناطقين بالعربية، والتعامل مع جماهير دولية متباينة الخلفيات؟ إن الوعي بالامتداد العالمي للعربية يجب أن يكون جزءًا من فلسفة البرنامج، لا مجرد معلومة جانبية تذكر في المناسبات.
خاتمة: من الدفاع العاطفي إلى الإصلاح المؤسسي
لست ممن يؤيدون إلغاء التخصصات الإنسانية، ولا أرى أن معالجة أزماتها تكون بتقليصها أو تجفيف منابعها. بل إن هذا المقال نفسه ينطلق من إيمان عميق بأن اللغة العربية، ومعها سائر العلوم الإنسانية، تمثل ركيزة كبرى في بناء الإنسان، وصياغة الوعي، وفهم المجتمع، وربط الحاضر بجذوره الثقافية والمعرفية. لكن الدفاع الصادق عن هذه التخصصات لا يكون بالاكتفاء بالاعتراض على قرارات الإلغاء، ولا بالتعلق غير النقدي بصيغ قديمة فقدت بعض قدرتها على الإقناع.
إن ما تحتاج إليه برامج البكالوريوس في اللغة العربية اليوم هو إصلاح مؤسسي جاد، يعيد النظر في أهدافها، ومقرراتها، ومساراتها، وعلاقتها بالمجتمع، وبسوق العمل، وبالتقنية، وبالتعليم، وبالفضاء العالمي للعربية. وهي بحاجة إلى أن تتخفف من الانغلاق، وأن تنفتح على التخصصات البينية، وأن تعيد الاعتبار للمهارات التطبيقية، وأن تدمج البعد التربوي حيث يقتضيه واقع الخريجين، وأن تفكر في العربية لا بوصفها تراثًا يُصان فقط، بل بوصفها طاقة معرفية وثقافية وتعليمية واقتصادية قابلة للتجدد والتوسع.
وأنا لا أزعم أن هذه الأفكار كلها جديدة، فالكثير منها مطروح في بعض برامج الدراسات العليا، أو في مبادرات مستقلة، أو في أحاديث المتخصصين ودوائرهم العلمية. غير أن ما ينقصها هو أن تتحول من ملاحظات متناثرة إلى مشروع تطوير متكامل، له إرادة مؤسسية، ورؤية واضحة، وخطاب قادر على إقناع المجتمع والجامعة معًا.
فاللغة العربية لا يتهددها قرار إداري من حيث الوجود، لكنها قد تُهمَّش من حيث الفاعلية إذا لم نحسن بناء برامجها، ولم نُخرجها من ضيق التكرار إلى سعة التجديد، ومن منطق الدفاع عن الذات إلى منطق إنتاج القيمة.
Source: برامج البكالوريوس في اللغة العربية: من الدفاع عن الوجود إلى إعادة بناء الجدوى