من أقسى الأشياء التي يمكن أن تحدث للإنسان، أن يكتشف في وقتٍ ما أنه أصبح أكثر نضجاً من أهله.
لا أتحدث عن نضجٍ يجعلك أفضل منهم، ولا عن وعيٍ يمنحك الحق في النظر إليهم من مكانٍ أعلى.
أتحدث عن ذلك النوع من النضج الذي يأتي ثقيلاً، وحيداً…
النضج الذي يجعلك تراهم للمرة الأولى كإنسانين.
وبالأشياء التي لم يستطيعا تجاوزها، حتى تحولت مع الوقت إلى قناعات، ثم إلى نصائح قدماها لك على أنها حقائق عن الحياة.
وربما كانت غربتي هي التي جعلتني أرى ذلك بوضوح أكبر.
أكثر من نصف عمري مرّ بعيداً عن أهلي.
كبرت في أماكن لم يعرفوها.
عشت سنوات كاملة لم يشهدوا تفاصيلها.
تغيرت دون أن يروا كيف تغيرت.
كبرت بعيداً عن أعينهم، حتى أصبح الشخص الذي يعرفونه عني أقدم بكثير من الشخص الذي أصبحت عليه.
وهذه إحدى أكثر الأشياء قسوة في الغربة.
أنك لا تكبر فقط بعيداً عن المكان…
أنت تكبر بعيداً عن النسخة التي يعرفها الناس منك.
تنهار في غرفٍ لا يعرف أهلك عنوانها.
تخوض معارك لا يعرفون عنها شيئاً.
تتخذ قرارات مصيرية دون أن تجد وجهاً مألوفاً تنظر إليه قبل أن تقرر.
فتجد أن أهلك ما زالوا يرونك كما تركوك.
أنت تعرف السنوات التي صنعتك.
وهم يتذكرون الطفل الذي غادر.
حين تختلف معهم، يسمعون صوت ذلك الطفل القديم.
وحين تعترض، يرون فيك الابن الذي لم يكن يفهم.
وحين تخبرهم أنك ترى الحياة بطريقة مختلفة، لا يرون السنوات التي صنعت هذا الاختلاف.
تتركهم ينتصرون في النقاش.
تدعهم يقولون إنك لا تفهم.
إنما لأنك أدركت أن هناك أشياء لا يمكن شرحها لمن لم يعش المسافة التي عشتها.
كيف تشرح لهم أنك تعلمت الحياة في غيابهم؟
كيف تخبرهم أنك اضطررت إلى أن تصبح الشخص الذي كنت تحتاج إليه أنت نفسك؟
كيف تشرح لهم أنك حين كنت تخاف، لم يكن هناك أبٌ تذهب إليه؟
وحين كنت تنهار، لم تكن هناك أمٌ تضع يدها على رأسك؟
لقد قضيت وقتاً طويلاً وأنت تتعلم كيف تنجو وحدك، حتى أصبحت قوتك نفسها شيئاً ثقيلاً.
وهذا هو الثمن الخفي للغربة.
أنها تعلمك الاستقلال حتى في الأشياء التي كان من المفترض أن تتعلم فيها الاتكاء.
فتجد نفسك بينهم، لكنك لا تعرف كيف تكون ابناً كما كنت.
ربما لأنك أصبحت تفهمهم أكثر مما كنت تتمنى.
وترى الأشياء التي لم يستطيعوا تجاوزها.
وتفهم أن بعض أخطائهم لم تكن لأنهم لم يحبوك.
ربما لأنهم أحبوك بالطريقة الوحيدة التي عرفوها.
وهذه الحقيقة لا تجعل الألم أقل.
لأنك لا تستطيع أن تكره شخصاً تعرف أنه أحبك.
ولا تستطيع أن تنكر الأذى الذي سببه لك شخصٌ تحبه.
فتبقى عالقاً في مكانٍ غريب.
ثم تكتشف أنك ما زلت تتألم.
وربما هنا تكمن المأساة كلها.
أنك لم تكن تريد أن تصبح أنضج من أهلك.
كنت تريد فقط أن تكبر بينهم.
كنت تريد أن يروا كيف أصبحت.
أن يلتقوا بالشخص الذي صنعته الغربة.
أن ينظروا إليك مرة واحدة، لا باعتبارك الطفل الذي غادرهم، وإنما باعتبارك الرجل الذي عاد إليهم بعد أن خاض نصف حياته بعيداً عنهم.
وتشعر أنك تستطيع أن تخلع كل ما حملته طوال هذه السنوات.
لكن ربما هناك أعمارٌ إذا عبرناها وحدنا، لا نستطيع أن نعود بعدها إلى الطريقة نفسها التي كنا نعيش بها.
لذلك حين تجلس مع أهلك الآن، ربما لا تصمت لأنك لا تملك ما تقوله.
تصمت لأن بينك وبينهم سنوات كاملة لا يمكن اختصارها في حديث.
سنوات لم يشهدوا فيها موت أشياء كثيرة داخلك.
سنوات أصبحت فيها شخصاً آخر…
فتجدهم ينادونك باسمك القديم.
لأنك تعرف شيئاً لا يعرفونه.
أن الشخص الذي ينادونه لم يعد موجوداً منذ زمن.
وأنك، منذ سنوات طويلة، وأنت تحاول أن تتعلم كيف تعيش كشخصٍ جديد…
بعيداً حتى عن نفسك القديمة.