بعد سنوات طويلة وتجارب ممتدة، أدركت حقيقة جوهرية: المدن في ذاكرتنا تتشكل من ملامح زيارتنا الأولى لها.
فمثلاً، أزور جدة سنوياً منذ وقت طويل، واليوم أرى أن نظرتي لها ركدت عند ذكرياتي القديمة؛ تضاءل شغفي باستكشافها بعدما أيقنت أنني لا أزور المدينة لذاتها، بل أزور الأهل فيها.
بالمقابل، تسحرني الدمام برغم وجود جزء من عائلتي هناك أيضاً، إذ لا زال الفضول يدفعني لخوض تجارب جديدة واكتشاف ملامحها، وكأن سحر خطوتنا الأولى في مكان ما يحدد قابليتنا لدهشته.
أما الرياض، مدينتي التي لم أكن أميل إليها في طفولتي، فأنا اليوم لا أتخيل لي وطناً سواها. أحبها حباً جماً؛ لأنني أعيش فيها بحرية مطلقة، وأصنع تفاصيل أيامها بملء إرادتي. هنا أختار ذكرياتي بعناية ووعي، بعيداً عن المدن الأخرى التي يفرض عليك الآخرون مشاركتهم في رسم ذكرياتها













