يا أهل البلاء ..أَعلمُ أن الأمر قد يكون أكبر من أن تحتويه كلمات أو تخففه عبارات ولكني أذكركم بوعد الله تعالى الذي جاء على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم :(إن أمر المؤمن كله خير ) ربما يصعب عليكم مغالبة الهم والحزن والألم ، ولكن التأدب بأدب البلاء سيجعل ما تمرون به في ميزان حسناتكم ، والرضا بالقدر نسيم بارد يهب على القلوب فيداويها ويتسرب إلى الأرواح فتزهر فيها الطمأنينة والسكينة .
قد يكون البلاء مرضاً أو فقداً لعزيز أو طعنة غدر من حبيب ، وقد يكون ضعف إيمان وانغماس في الشهوات والتفاهات . نعيش الأول بكل مشاعرنا ونتجاهل الآخر ونمر عليه مرور الكرام ، والله سبحانه يطرق قلوبنا بكل أقداره لينظر ما نصنع ، فأروا الله من أنفسكم خيراً .
يقول الحبيب صلى الله عليه وسلم : ( ومن يتصبر يُصبره الله ، وما أُعطي أحد عطاءً خيراً وأوسع من الصبر )، ولكن هذا الصبر لا يُلقاه إلا من يتأدب عند البلاء بما شرعه له صاحب البلاء حين قال عز وجل (الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون / أولئك عليهم صوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون ). عليك يا صاحب البلاء أن تردد هذه الآية بقلبك قبل لسانك ، وأن تدرك أن ما أصابك لم يكن ليخطئك ، وما أخطأك لم يكن ليصيبك ، وأن لا تتهم الله في شيء قضى لك به ، فهو سبحانه يعلم وأنت لا تعلم ، وهو سبحانه قدر عليك البلاء ليطهرك به ويرفع به درجتك ، ويجعلك تعود إليه بالدعاء والرجاء ، فإن أريت الله من نفسك خيراً كان هذا البلاء بداية السعادة والتوفيق والبركة ، فلا تستعجل .
ليتك تتعامل مع الموقف بحكمة ، فلربما تقوم بعمل تظنه شفاء لصدرك وتنفيساً عن غضبك، تكون له عواقب أكبر من البلاء نفسه ، فتمهل قبل أن تبوح بسرك لأحد، وتمهل قبل أن تفكر بالانتقام ممن آذاوك ، ردد بقلبك ولسانك: لا حول ولا قوة إلا بالله فهي عون لك على تجرع الغضب ، وافزع إلى كتاب الله ، رتله بتدبر ، سترى أن كلام الله عز وجل سيشفي صدرك ويهون عليك البلاء ، وينور لك بصيرتك ، ويعينك على التعامل مع الموقف بحكمة وروية.
ليتنا ندرك أن كل تفاصيل حياتنا هي أقدار كتبها الله علينا ، فمن. رضي فله الرضى ، ومن تسخط فعليه السخط ، ليتنا ندرك أن الابتلاء هو اختيار الله لنا ، ولكن الهموم والأحزان هي اختيارنا لأنفسنا . البلاء سيمر وحرارته ستخبو مع الأيام ولكن تعاملنا معه سيبقى في سجل أعمالنا ، وإنما الصبر عند الصدمة الأولى .
يا صاحب البلاء .. لن يشعر بالحرارة التي في قلبك أحد، ولن يدرك مدى القهر الذي تعانيه أحد ، ولكن الله عز وجل مطلع على قلبك وسيداوي جرحك فهو سبحانه اللطيف الخبير ..فوض إليه حزنك وألمك وغضبك فهو سبحانه سيصلح لك شأنك كله ، ويحيل ما في قلبك برداً وسلاماً .