هَمسَة ؛ لَم تُحرَم بَل رُحِمت .. تُغلَق في وَجهِك جَميع السُّبُل، ويَرُدُّكَ كُلّ الذين طَرَقتَ أبَوابَهُم، وتَنتَهِي حُلول الدُّنيا كلّها في نَظَرِك، ولَا تَنفَعُ الأسباب الماديَّة التي أخَذتَ بِها، وتَظُنّ أنَّ كُلّ شيء قَد انتهَى، فتَبلُغ مَبلغًا مِن الحُزن واليَأس والقُنوط ولَا يبقى إلَّا حَلٌّ واحِد.
لَا يَبقى لَك إِلَّا أنَ تَرفع يدَيك إلى السّماء، وقَد تَكون قَد رَفَعتَها فِعلًا في السّابِق لكنَّك تَعود بِمَزيدٍ مِن الإلحاح واليَقين والانكِسارٍ والذُلّ، بِتَوحيدٍ خالِص وخُضوعٍ تامٍّ. فتَطرُق بابًا غفلتَ عَنه لِكَثرَة اشتِغالِك بالأسباب المادِّيَّة، بابٌ مَفتوح فِي كُلِّ وَقتٍ وَحين، بابُ الذي لا يَكلُكَ إلى نَفسِك طَرفَةَ عَين ولا يَغفَلُ عنكَ ولا يَمَلُّ كَثرَة سُؤالِك ولا يَسأَمُ إلحَاحَك ويَفرَح بِإقبالِك عليه مهمَا حصَل مِنك في الماضِي ! إنَّه رَبُّك، رَبُّكَ اللَّطيف بكَ سبحانَه جَلَّ في عُلاه.
تَلجَأ إليه وتَطرُقُ بابَه ؛ فيَهدَأ بالُك ويَنشَرِح صَدرُك ويَطمَئِنّ قَلبُك ويَزول هَمُّك وقَلَقُك. وتُدرِك إذَن أنَّ الأمرَ أمرُه هو سبحانَه، وأنَّه لا حَولَ ولا قُوَّة إلَّا به، وأنَّ الفَرَج والفَتحَ والتَّيسير وقَضاءَ الحَوائِج ودَفعَ الضّرّ وجَلب المَصلَحَة ولا يَأتي إِلَّا مِنه. تَتَرَسَّخُ هذه المَعانِي في قَلبِك، فتُعَلِّقُه به وتَتَوَكَّل عليه وتعلَم أنَّ الخَير في اختيَارِه سبحانه لا اختيارِك أنت وأنَّك لَيسَ لَك مِن الأَمرٍ شَيء، وإنَّما الأمرُ لله تَعالى هوَ الذي يُدَبِّرُ الأمُور. وتَستَشعِر لاحِقًا مَعانيَ اللُّطف حين تُدرِكُ أَنَّ ما كانَ ظاهِره الشّرّ هوَ خَيرٌ في الحقيقَة وأنَّ المِحَن كانَت مِنَحًا -ويَكفي أنَّا قَرَّبَتكَ مِنهُ سُبحانَه ورَفَعَتكَ-، فتَرضَا مهما كانَت النّتائِج وتعيش حياةً طَيِّبَة ! تَرضَا .. ومَن رضيَ فله الرِّضا. لَا تَيأَسَنَّ وإِن طَالَت مُطَالَبةٌ .. إِذا استَعَنتَ بِصَبرٍ أَن تَرى فَرَجًا أَخلِق بِذِي الصَّبرِ أَن يَحظَى بِحَاجَتِهِ .. ومُدمِنِ القَرعِ لِلأَبوَابِ أَن يَلِجَا.
















