تحليلي المتواضع لهذه السيرة
أولًا: شكل اللغة
لغة الكتابة في سيرة فدوى الذاتية: لغة فصحى في مجملها عدا كلمة وحيدة بالعامية " نيالهم" واللغة أيضًا نثرية، واضحة، وبسيطة، عذبة الأسلوب، جميلة العرض، وحسنة التقسيم، كما أنها استعادية ،ترجع فيها فدوى بذاكرتها إلى الماضي وتسترسل في الحكي عن مواقفها: طفولتها المخطوفة، ومراهقتها المكبوتة . تتذكر فتقول: " ها أنا الآن ، إذ أدخل في رحاب الخيال والذكرى، أرى الصبية زمرا، بأقدامهم الحافية..." ، وتنتقل من ذكرى لذكرى كنحلة خفيفة تعب من رحيق الحياة، تغوص في حكايات ماضيها وتتفاجأ بعد أسطر بأنها قد نقلتك فجأة إلى حاضر الكتابة فتقول:" أحيانًا لدى مروري بجامع الحنبلي في السوق القديم وسط المدينة، يفاجئني الماضي منطلقًا من خزانة الذاكرة..."، وأنت الذي كنت قبل سطرين في ماضيها بالفعل!، وكأنها تقول لك فلنبحر أكثر .. إلى العمق ، إلى الأنا، بل إلى ما كانت عليه .
ثانيأ: الموضوع.
كتبت فدوى في هذه السيرة ملء القلم قهرًا، أوراق سيرتها الناقمة على عائلتها التي كبحت حريتها ، التقاليد التي تضرب وجهها بسياط العزلة ، الانسحاق الذاتي الذي حبسها في قمقم اللاشيئ ، كتبت فدوى بمشاعر الساخط على طفولته الغاضب من كل قيد ، كتبت بمشاعر طير حبيس، طير مهمل ، حبيسٍ مهمل!! ولك أن تتخيل دفق اليأس والتهميش الذي سكنها وهي الطفلة المريضة الهزيلة البائسة وسط حشد من الإخوة الذين تسللوا إلى قلب الأم والأب فاختطفوا عنها الحنان والرعاية التي كانت لا تعرفها إلا إذا اشتد المرض ! وبكت فدوى حين كتبت عن إقامتها الجبرية في المنزل وإقصائها عن الدراسة بسبب صبي أهداها وردة على قارعة الطريق! وهي التي رأت في المدرسة سطوع حظها و اهتمام المعلمات بها، فجأة تسلب منها بهجتها الوحيدة التي كانت تجد فيها كيانها وحضورها ، وكان البكاء صلاتها ! ، خطت فدوى في سيرتها صراع حياتها الفردية وتاريخ شخصيتها الوادعة رغم شراسة واقعها، كان الموت لغزًا لم تجد له فدوى حلًا ، يسرق منها من أهداها جذوة حياتها وروحها بداية من صديقة طفولتها مرورا بأخيها إبراهيم الذي أخذ على عاتقه تدريسها وزرع أسطورة الشعر فيها وصولا إلى أخيها الآخر نمر ...كانت أوراق حياتهم الخضراء تسقط أمامها تاركة فيها خضوعًا قاتمًا، ويتسرب الزمن من بين أصابعها وهي تمد يدها المستغيثة.."لا راحم لمتضرع مذعور !"، إلا أنك _أيها القارئ_ ستجدها في بعض الصفحات تخرج عن تلك الذاتية المتوغلة لتصف لك الوضع السياسي السائد في الحقبة التي عاشتها ولعل هذا الأمر قد يشوش كيان الجنس السيرذاتي فميثاقها ينص على أن يكون الموضوع المطروق يعالج حياة الفرد وتاريخ شخصيته مبتعدا عمّا حوله من الأحداث
العامة ، وهذا ما لم تقدر عليه فدوى في سيرتها .
ثالثًا: وضعية المؤلف .
خُط على غلاف الكتاب اسم المؤلفة( فدوى طوقان)، ولابد لنا أن نجد تطابقًا بين المؤلف والسارد كي نبت الحكم على هذا العمل بأنه"سيرة ذاتية"، وفي أول كلمة في الكتاب يتجلى ضمير الفاعل وضمير المتكلم " ظللت طيلة عمري الأدبي أحس بانكماش"، كما ستجد بعد صفحات أن السارد يُقر بأنه هو ذاته المؤلف حين تقرأ:"غير أن المعروف المتوارث منذ خمسة قرون يشير إلى أن أجداد العائلة كانوا يقيمون خيامهم في البادية بين حمص وحماة، حيث لا يزال هناك التل المعروف باسم ((تل طوقان)).حيث أن عائلة طوقان هي نفسها عائلة فدوى إذًا فالمؤلف = السارد، وغيرها من الإشارات في النص التي تثبت لنا ذلك كالرسائل التي أرفقتها فدوى في سيرتها من ابن عمها فاروق وكان يستهلها بـ "العزيزة فدوى حفظها الله".
رابعًا: وضعية السارد .
وبما أن المؤلف هو نفسه السارد إذا فالسارد كذلك هو نفسه الشخصية واستنتجنا ذلك بطريقة غير مباشرة عن طريق العلاقة المزدوجة، كما تستطيع_أيها القارئ_ أن تستنج ذات الاستنتاج حين ترى السيرة زاخرة بضمير المتكلم : " حياتي، منذ صغري،نفسي، اسمي..." ، ولا يفوتني أن أذكر أن السارد ساردٌ عليم ينبؤك بأمور تسبق لحظة التذكر تلك، ويشير في لحظة ما إلى ما سيؤول إليه الموقف في قادم الصفحات :"ظل موت عمي ثم معلمتي الشابة المحبوبة(زهوة العمد) ثم رفيقة طفولتي علياء ابن الجارة ..." فالمعلمة الشابة و رفيقة الطفولة لم يبدأ القارئ بعد بالتعرف عليهما فذكرهما سيأتي في صفحات لاحقة .
خامسًا:( رحلة جبلية رحلة صعبة) ومشكلة التجنيس الأدبي .
رغم توافر مستويات الميثاق السيرذاتي في هذا العمل الأدبي إلا أن هنالك أمر يشوش صورة السيرة الذاتية وهي أن فدوى في سيرتها وثقت بعض الصفحات وبدأ ذلك من صفحة 101 بذكر السنة والشهر وأحيانًا اليوم فتقول: " خريف عام 1935 تشارين ..قرية (يعبد)..." وفي موضع آخر : "التاريخ 2 آب عام 1939 والوقت عصر الأربعاء..." وهذا التوثيق ملاصق لليوميات التي يختلف فيها منظور الحكي عن السيرة الذاتية فالسيرة الذاتية حكي استعادي واليوميات بخلاف ذلك ، وهذا يذكرني بما أورده جورج ماي في كتابه نقلا عن" جوليان فرين" . يقول: " إن عيب اليوميات أنها إذ تحل محل الذاكرة تسلبها غضارتها. وينتهي بنا الأمر فإذا نحن لا نتذكر إلا الكلمات التي كتبناها"[1].
سادسًا: دوافع الكتابة .
منذ أول صفحة تكشف لنا فدوى سبب كتابتها سيرتها الذاتية فتقول: " لماذا هذا أكتب الكتاب الذي أكشف فيه بعض زوايا هذه الحياة التي لم أرض عنها أبدًا؟ بتواضع غير كاذب أقول إن هذه الحياة على قلة ثمارها لم تخل من عنف الكفاح"، وتردف قائلة :" فلعل في هذه القصة إضافة خيط من الشعاع ينعكس أمام السارين في الدروب الصعبة..." ، ترى فدوى أن تجربتها ورحلة حياتها الصعبة جديرة بأن تنقل للناس وتجعل بمثابة القدوة في الكفاح. ولعل فدوى كتبت ما كتبت لذة باسترجاع الماضي ذاك الماضي المقهور الذي تخللته رغم ذلك لحظات البهجة والحبور : "أكثر أفراح طفولتي_ على قلة تلك الأفراح_ تقترن بذكر" علياء" بنت الجارة أم حسن" ثم تبدأ بسرد تلك اللحظات الجميلة مع علياء ولعبهن في الغابة وحضورهن المناسبات المختلفة من الأعياد والمباهج الموسمية والأفراح الاجتماعية والدينية. كما إن حاجة المؤلف للوحدة الذاتية تحدو به لكتابة سيرته الذاتية، يعرض على نفسه أطوار حياته كيف كان وكيف أصبح، ويربط أجزاء حياته ببعضها فيضعها في قالب واحد، وهذا ما فعلته فدوى طوقان في سيرتها الذاتية .
سابعًا : دور الذاكرة .
وبما أننا في مجابهة سيرة ذاتية فعلينا أن ندرك أن الصدق المحض في السيرة الذاتية نسبي، وقد لا يتعمد الكاتب ذلك ولكن عوامل طبيعية كالحياء والنسيان يضطرانه إلى الإخلال بالصدق، تقر فدوى بذلك فتقول: " تظل ذكريات طفولتي قبل عهد المدرسة مشوشة، باهتة، متقطعة، فلا أستطيع لم شعثها أو تنظيم فوضاها"، وهذا التشويش والانتقاء المحدد للذكريات هو روح السيرة الذاتية إذ أن تذكر كل شيء بتفاصيله المملة ينبو بنا عنه. يقول جورج ماي في هذا الصدد:" فإما أن تخضع الذكريات الكثيرة المتداخلة لترتيب ما فتجانب الحقيقة، وإما أن تعرض عن البحث عن ترتيب لا وجود له في التجربة المعيشة فتقع في الغموض "[2]، لكننا لا نستطيع أن ننفي الصدق تماما عن هذه السيرة الذاتية بل إن الصدق حاصل فيها بنسبة كبيرة؛ إذ أن فدوى لم تعمد إلى التخييل ووصفها للأحداث كان وصفا واقعيًا، كما أن المواقف السياسية التي ذكرتها وأرختها هي بالفعل مواقف واقعية، ناهيك عن المراسلات التي ألحقتها في السيرة .
ثامنًا: عتبات النص.
العنوان الذي اختارته فدوى طوقان لسيرتها الذاتية (رحلة جبلية رحلة صعبة)كان مناسبًا لما حوته السيرة من سلسلة أخطار وتحديات كاسرة، تماما كصعود جبل شاهق وعر ، كلما حاول المتسلق أن يتقدم يتفاجئ بصخور منحدرة تعيقه ، ورحلة فدوى الجبلية ليس أي رحلة إنها رحلة صعبة رحلة ولادة من اللاشيء إلى المثالية إلى الكيان الأصيل الواثق .
[1] جورج ماي 86
[2] جورج ماي.السيرة الذاتية 83
1













