من الحافظ الضابط للقرآن الكريم؟
الحافظ الضابط المتقن للقرآن الكريم في عُرف القرّاء والعلماء هو: من يتمكّن من سرد القرآن الكريم - أو ما يُطلب منه - سردًا مسترسلًا، مع صحة الأداء وسلامة الحفظ، مبرأً من كثرة التوقف والتلعثم، مستحضرًا للآيات من غير كثرة تردد أو خطأ عند العرض والامتحان.
ولا يقدح في هذا الضبط وقوع الهفوات اليسيرة؛ فالقرآن غالبٌ عزيز، والبشر غير معصومين، وقد عرض الخطأ والنسيان لأكابر الأئمة من القراء والعلماء، فما غضّ ذلك من أقدارهم، ولا ثلم منزلتهم.
ولا يدخل في قيد الضبط والإتقان ما يلي:
١- حفظ القرآن بأرقام الآيات والصفحات ونحو ذلك؛ إذ هو فضلة لا يترتب عليها ثمرة علمية - غالبًا - ولا عملية في الأداء، ولا يضر الجهل بها.
٢- إتقان المتشابهات بعدّها وأماكن وجودها؛ فإن الحافظ المتقن قد يسرد القرآن الكريم أو بعضه دون توقف، لكنه قد يزلّ إذا امتحن بعويص المتشابهات ودقيقها.
وليس الاعتماد على المتشابه المقفل وحده ميزانًا عدلًا ولا حكمًا قاطعًا في تقويم الإتقان؛ فربّ مستظهر لأطراف المتشابه عاجز عن اطراد السرد، على أن صعوبة المتشابه تكمن في تعيين موضعه، فإذا عُرف انقاد ما بعده وسهُل.
ولأجل هذا؛ لا ينبغي أن تُبنى نظم الاختبارات على ما لا فائدة منه من هذه المتشابهات، ولا طائل من ورائه، ولا على عويص المتشابهات فحسب، بل يجب تنويع الأسئلة وإخلاؤها من التعجيز؛ للحكم المنصف على الحافظ، فالضعيف يظهر مستواه بآيات يسيرة، وتحديد الضابط سهل ميسور، دون حاجة إلى تعسف أو تعنت.
ولا ريب أن معرفة المتشابهات وإتقانها من دلائل رسوخ الحفظ وقوته، وهي شاهد من شواهد الإتقان، ولكن لا ينحصر الإتقان فيها، ولا يصح جعلها المعيار الوحيد أو الغالب في الحكم على الحافظ.
وقد يُلجأ إلى المتشابهات عند استواء الطلاب في ضبط الحفظ والسرد، وصعوبة التمييز بينهم، من باب ترجيح كفة أحدهما على الآخر، لا من باب جعلها الأصل الذي ينبني عليه الحكم ابتداءً.
ولا يخفى أن المسابقات الدولية التي رُصد لها جوائز مالية كبيرة لا يُعول فيها على هذه المتشابهات الدقيقة المعقدة، بل على ما اعتيد عليه من المتشابهات المشهورة المتداولة بين أهل الفن.
أن المعول عليه في الحفظ والإتقان هو القدرة على سرد ما يُطلب من الطالب أو القارئ سردًا مطردًا متقنًا مع صحة الأداء وسلامة الضبط، من غير تلعثم ولا كثرة توقف، فإن انضم إلى ذلك إحكام المتشابهات ومعرفة دقائقها، كان ذلك نورًا على نور، وأدلّ على قوة الحفظ ورسوخ الإتقان.
فالسرد هو الأصل، وأما المتشابهات فباب من أبواب إظهار قوة الحفظ وكماله، لا أنها الأصل الذي يدور عليه الحكم. والله أعلم.