إلى ابني في يوم تخرجّه
أي بنّي ,
ربما لا تعلم تفاصيل رحلة التسعة أشهر والتي كنتَ بها تصول وتجول حراً في أحشائي …
ربما لا تعلم ما آلام المخاض ! الآلام التي منحتك تأشيرة سفر إلى الحياة من خلال ظلمات حتى تطوقنا حباً وأماناً .
ربما لا تعلم شيئاً عن دغدغات والدك ودموعه وأنت تترنح بين أنامله طرياً باكياً .
ربما لا تعلم ما علمنا, ولن تعلم ,فما خُفي عنك أعظم !
فاعلم , اي بني ,بأنك من صيّرني أماً في العشرينات , ومربيّة في الثلاثينات , وصاحبة في الأربعينات .
اعلم , اي بنيّ , بأن لا أحداً سواك يتربع أفئدتنا, أنت الحيّ في دعائنا وصلواتنا .
أي بني,
إني لأعلم أنك قد خلقت لزمن غير زماننا , فنحن عشنا في زمن يعبد التقاليد وأنت في زمن يهمشها , بل ويهشمها. وإني لأشفق عليك من زمنك هذا. فزمنك قلق مضطرب حائر , كافر بالقديم , ثم لا يجد جديداً يؤمن به . أكبر ما يؤلمني فيك وفي امثالك من الشبان , انكم فهمتهم الحقوق أكثر ما فهمتم الواجبات وطالبتم غيركم بحقوقكم أكثر مما طالبتم أنفسكم بواجباتكم .
أي بني ,
لا أريدك طبيباً , ولا أريدك مهندساً, ولا أريدك تاجراً ..ولكن أريدك إنساناً . فثِق بأنك لست معدلاً ولا رقماً من خانتين في شهادة جامعيةّ , بل أنتَ لي معدلاً قد اجتاز به الصراط يوم الحساب . فأنتَ حساب في كتاب يوم لا مفرّ فيه ولا مآب .
اي بني ,
لا يغرنك مظهر الذين انغمسوا في شهواتهم واندفعوا وراء لذاتّهم , وما يخدعونك بغطرستهم وضلالهم. أعيذك أن تكون منهم وأن يبعدك الله عن وهم السعادة المزيّف بالسيارات والدولارات وعجيب صنع الحياة . فكثير ممن يأكلون الاكل الفاخر ويلبسون اللباس الأنيق ويسكنون القصور الفخمة أشقياء. وتأكد بأن الإنهماك في اللذائذ كَنار القش تلتهب سريعاً وتنطفىء سريعاً
أي بني ،
ها أنت قد تحررت من جرس الساعة الثامنة , ومن الزي المدرسي , ومن الواجبات والإلتزامات- فهنيئاً لك - لكن تذكر أن قيود الحياة أدهى وأمّر .
نوفمبر 2002, كان قد قطِع الحبل السري بيني وبينك يوم صممتَ أن تنطلق إلى حياة مجهولة , واليوم يُقطع بيني وبينك حبل طفولي لتفلت مني منطلقاً إلى مستقبل لامعلوم .
أي بني , قد يتفنن الزمن في رسمك بملامح شاب لكنك ستبقى صغيري المدلل .
قد تغريك الحياة وتبعدك لكني سأكون دوماً في انتظارك كما عهدتني .
أنت الآن قيد نفسك , فكن لنفسك كل شيء .
أي بني ,
تقول نساء الحي بأنك وحيد أمه غير مدركات بأنكّ لي كل الأهل . وبأني لو جمعتُ الأبجديات كافّة لن ألملم خوفي وأصيغ حبي لك … فأصعب ما في الأمومة أنها لا تترجم ولا تخط …
أي بني , أنتَ مني ولكنك لستَ لي …فكن لي الدعاء المرتزق الذي يمنحني صّك الدخول إلى الفردوس , والعمل الصالح اذا انقطعت بي الدنيا .
أي بني ! طالما دعوت ربي جاهداً أن يجنبك الزلل وأذى الدنيا, ويقيك شر أصدقاء السوء , ويمنحك من قوة الإرادة ما تتقي به شر المغريات والمغويات وان يهديك الصراط المستقيم . وأن يصيّرك إماماً إذا انتهى بالفاتحة ردد المصلون من ورائه “ آمين “ .
https://haspedia.com/2020/06/28/%D8%A3%D9%84%D9%85%D8%A7%D9%86%D9%8A%D8%A7-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%88%D8%B1%D9%8A-%D9%85%D8%AD%D9%85%D9%88%D8%AF-%D9%82%D8%A7%D8%A8%D9%88%D8%B9-%D9%8A%D8%AD%D8%B5%D9%84-%D8%B9%D9%84%D9%89-%D8%A7%D9%84/amp/
بعد فقط ٣ سنوات من قدومه إلى ألمانيا: هكذا عنونت به صحيفة Ruhr Nachrichten
















