متذوق العلم شخص له حب للعلم ومعرفة ببعض مسائله وكتبه وأعلامه، وقد يكون مخالطًا للعلماء أو طلبة العلم، لكنه ليس طالبا للعلم.
أما طالب العلم فهو من يجدّ فيه ويتعب، ويواظب ويستمر، ويمشي فيه على طريقةٍ وجادّة، ينهي الكتب تلي الكتبَ، ويرتقى ويحصّل ويلخص ويبحث ويناقش، حتى تكون له فيه ملكة.
فإذا كان غرضك العلم فلا يكن حظك من العلم مجرد ذوقه دون طلبه، ولا تكتف بمجرد المشاركة أو الفوائد أو المُلح، ثم يغرك التسويف وطول الأمل والأماني أنك طالب علم أو أن هذا طلب علم أو أنه سيؤدي بك إلى طلب العلم.
ثم ينبغي أن يعلم أن مجرد الذوق في العلم ليس عيبا، فذائق العلم خير من المثقف، ولكنه دون طالب العلم، والعلم من حيث هو أفضل من الجهل مطلقًا.
ولكن العيب هو التوهم من الذائق أنه طالب علم، لأن التوهم ينبني عليه آحكام وآثار، أهمها أن هذا التوهم يمنعه من طلب العلم الحقيقي وربما كان قادرا عليه أهلًا له، فيقعد به كسله وتوهمه، فيضيع نفسَه، وهذا داخل في معنى قول ربيعة الرأي: "لا ينبغي لأحد عنده شيءٌ من العلم أن يضيع نفسَه"، يعني بعدم تكميلها.
ومن مفاسده: أنه بتوهمه الذي يظن معه أنه طالب للعلم؛ يظن أنه مشارك معهم، وأنه له قول مسموع في العلم، فيخوض ويناقش ويبحث معهم بفطير رأيه وساذج نظره، فيقع في التعالم، وهو عامة من تراه من المتصدرين اليوم.
فلا يختلط عليك أن كون العلم من حيث هو أفضل من الجهل، لا ينافي أن الجهل قد يفضل العلم باعتبارات وجهات عارضة له، فهذا معنى قول أهل العلم إن الجهل في حق بعضهم أنفع من العلم، كالجهل في حق العالم الذي لم يعمل بعلمه، فهذا في (حق) شخص معين، يعني أنه بالاعتبار وليس أولًا وبالذات.
ومنه هذا الذي نقوله، أنه قد يكون العلم في حق هذا الذائق أقبح من الجهل في حق الجاهل البسيط الذي لا يتلبس بهذه المعايب، ولا ينافي هذا أن العلم في نفسه أحسن من الجهل، فلو وقف الذائق على حقيقة ما عنده وأنه محب للعلم وليس طالبا للعلم لكان أفضل من الجاهل بلا ريب.
قناة الشيخ / عمرو بسيوني, [٤/٩/٢٠٢٤، ١٠:٢٨ م]
1- الخلاف يقع في معرفة الأحكام الشرعية، والمصيب واحد في نفس الأمر على الصحيح الذي لا يعرف غيره عن السلف، وهو المذهب المعروف بمذهب المخطئة.
2- الخلاف ينقسم إلى سائغ وغير سائغ.
الخلاف السائغ هو الخلاف الذي أذن الله فيه ويثيب المصيب والمخطئ فيه، فالمخطئ فيه مخطئ في الوضع، لكنه طائع في التكليف لأنه فعل ما أُذن له فيه بل ما طُلب منه، وهو الاجتهاد، ولو ترتب عليه خطأ لم يؤاخذ عليه لترتبه على المأذون، وفروعه كثيرة في الشريعة كسراية التلف في الحد، فهو يثاب على الاجتهاد لا على الخطأ.
3- والخلاف غير السائغ هو الخلاف الذي لم يأذن فيه الله.
فحقيقته أنه خلاف لا يجوز، أي أن حكمه التكليفي الحرمة.
قال الشافعي في الرسالة: (الاختلاف من وجهين، أحدهما محرم، ولا أقول ذلك في الآخر.
قلت: كل ما أقام الله به الحجة في كتابه أو على لسان نبيه منصوصاً بيناً: لم يحل الاختلاف فيه لمن علمه.
وما كان من ذلك يحتمل التأويل، ويُدرك قياساً، فذهب المتأول أو القايس إلى معنى يحتمله الخبر أو القياس، وإن خالفه فيه غيره: لم أقل أنه يُضَيَّق عليه ضِيقَ الخلاق في المنصوص). انتهى.
4- فالمخالف في الخلاف غير السائغ مخطئ قطعًا من جهة الوضع، ومرتكب لمحرم من جهة التكليف، فلا يستحق أجرا واحدا، لكن تأثيمه ليس بلازم، فقد يكون وقد لا يكون، وسيأتي مزيد في ذلك.
5- ضابط الخلاف السائغ: ما لم يخالف نصا أو إجماعا قديما أو ما في معناهما كالقياس الجلي [وخالف في القياس الجلي الحنابلة].
وهو الذي ينقض به حكم الحاكم.
وبالبناء على هذا الضابط فقد يتضح أن حكما ما غير سائغ، فيكون المخالف فيه قال قولا غير سائغ.
وقد يخفى تحقق هذا الضابط، فيقع الاجتهاد في نفس تحقيق هذا الضابط، فيختلف العلماء في سواغ قول ما من عدمه، ويجري فيه بحث تحقيق المناط. كما سيأتي قريبا.
6- مجرد وقوع الخلاف ليس ضابطا للخلاف السائغ.
فوقوع الخلاف هو خبر. أي أن إثبات الخلاف أو نفيه ليس أكثر من حكاية عن وجوده، ولا يستلزم ذلك أن يكون هذا الخلاف سائغا أو غير سائغ.
فخلاف المعتزلة ثابت، لكنه غير سائغ عند عامة مخالفيهم.
وخلاف الصفاتية في التأويل ثابت، لكنه غير سائغ عند كثير منهم، كأكثر الحنابلة المحرمين إياه.
والخلاف في ربا الفضل ثابت لكنه غير سائغ عند عامة العلماء.
والخلاف في المعازف ثابت لكنه غير سائغ عند كثير من العلماء.
والخلاف في المتعة ثابت لكنه غير سائغ عند عامة العلماء من أهل السنة.
فلا يلزم من ثبوت الخلاف ثبوت سواغه، لأن السواغ حكم شرعي على الخلاف، وهذا قدر زائد على مجرد وجوده كما هو واضح، لأنه كسائر أفعال المكلفين، وجودها غير الحكم عليها.
وقد عُبِّر عن هذا بالقول المتداول:
وليس كل خلاف جاء معتبرا * إلا خلاف له حظ من النظر
وتقييده بالضابط المذكور فوق أحسن وأضبط، لأن الخلاف قد يكون من حيث هو له حظ من النظر وإنما يمنع منه تحقق أنه مخالف للإجماع القطعي أو الظني، فإن كثيرا من فائدة الإجماع إثبات إحكام النص وتعيين دلالته، ومن هذه الجهة يقول بعض العلماء: لو كان القول الفلاني قال به قائل لقلت به، رعاية لهذا المعنى، يعني أنه في نفسه معتبر لإمكانه من حيث اللغة أو من حيث دلالة أدلة أخرى، لكنه بالنظر إلى ما قيل في المسألة مهدَر.
قد يُتَّفق على عدم سواغ الخلاف.
كعدم سواغ بعض الأقوال الشاذة التي خولف فيها النص أو الإجماع الثابت، لفواته على المخالف أو رده إياه من غير بينة، كالخلاف في جواز التيمم لرفع الجنابة، أو عدم إجزاء الماء في الاستنجاء من خارجِ الدبر، أو عدم جواز متعة الحج، أو عدم اشتراط الوطء في التحليل، أو إنكار القدر جملة، أو الرؤية، ونحوها من الأقوال التي تخالف النص الثابت أو حدثت بعد الإجماع القديم. وهذا باب واحد في الفقه والاعتقاد.
وقد يختلف في سواغ الخلاف نفسه، فإن ضابط الخلاف المذكور عنواني مناطي، ويبقى للاجتهاد مدخل في تحقيقه في أشخاص المسائل، كتحقيق شرط العدالة في أشخاص أئمة الصلاة المعينين.
إذن ثبوت الخلاف لا يستلزم السواغ. فالأول واقعي والثاني شرعي اعتباري.
ثم إن عدم السواغ لا يستلزم عدم الإعذار. فالأول شرعي تكليفي، والثاني شرعي وضعي.
فالإعذار حكم ثالث من قبيل الحكم الوضعي، لأنه قائم على بحث الشرط والمانع.
فقد لا يُعذر القائل بقول سائغ (لنحو تخلف شرط القول، أو قيام مانعه، كإصابة الجاهل الحق من غير طريقه)، وقد يعذر القائل بقول غير سائغ لاشتباه أو تأويل، وعلى هذا بنى الشيخ رسالة (رفع الملام).
لذلك أبى أحمد أن يترك التحديث عمن يشرب المسكر غير العنبي، وقال إنه يلزم منه ترك الحديث عن عامة الكوفيين، فعذرهم وإن لم يسوغ خلافهم.
وهذه ولله الحمد طريقتنا، سلكنا فيها طريق الشافعي وابن تيمية ونحوهما من الأئمة المحققين في أصول العلم، فالشافعي في الأم قال إنه لا يقول على من أباح الأدبار والفضل والمتعة إنه استحل ما حرم الله، وهذا هو الإعذار، وإلا للزم إكفارهم أو تفسيقهم أو عقوبتهم، وليس معنى هذا أنه يسوغ الخلاف في ذلك، كما هو مبيَّن في تقرير فروعه، وكذا نص في باب الشهادات على قبول شهادات أهل الأهواء، وهذا إعذار لهم وإن لم يسوغ خلافهم
فالإعذار منفك عن عدم السواغ، والسواغ منفك عن وقوع الخلاف.
ومن خلط بين المقامات الثلاثة اضطربت أقواله وتناقضت ولا بد.
فتحرر أن مجرد وقوع الخلاف، أو حتى وجود القول في مذهب من المذاهب الأربعة أو جميعها - وهذا الثالث أندر -، ليس مستلزما من حيث هو هو أنه سائغ، ولو سُلِّم أنه يسوغ كثيرا في حالة وقوعه في مذهب، أو غالبا أو دائما إن اتفق الأربعة عليه، لكنه يصح أن ألا يسوغ أحيانا أو قليلا أو نادرا، ولذلك اختلف علماء المذاهب في سواغ الخلاف بينهم في مسائل، ولم يسلموا أنه بمجرد وجود القول لدى مخالفيهم من مذهب آخر أنه يستلزم سواغه، لما قلناه لكم من أن وقوع الخلاف لا يستلزم سواغه.
فبعض الحنفية لا يسوغون خلاف الشافعي في أكل المذكى متروك التسمية عمدا، ويصرحون أنه خلاف غير سائغ، ولا يجوزون أكل هذه الذبيحة ولو حكم بها الحاكم، وهو قول أبي يوسف. وبعضهم يقول إن الرفع في الركوع غير سائغ وكذا القنوت في الفجر فلا يتابع فيه الإمام، ونظائر هذا معروفة في مظانها.
ولم يسوغ الحنابلة قتل مسلم بكافر، ولو قضى به القاضي نقض لمخالفته النص، وهو مذهب أبي حنيفة في الذمي، ونصُّ أحمد أنه لا يسوغ الاجتهاد في حل المسكر، وخالف فيه أبو يعلى، والحنبلي يحد الحنفي شارب العصير ولو لم يسكر في المشهور، بل وفي التفسيق ورد الشهادة به روايتان، ذكروا أن الأظهر عن أحمد تفسيقه وعدم الصلاة خلفه ورد شهادته وخولف في ذلك. وبينهم جميعا في تفاصيل الاقتداء في الصلاة خلاف بعضه مبني على ذلك.
واتفاق المذاهب الأربعة على قول، أو على أقوال: لا يستلزم أن خلافه أو خلافها غير سائغ. وهذا أصله مسألة الخروج على المذاهب الأربعة.
فالمعازف محرمة في معتمد المذاهب الأربعة لكن كثيرا من أربابها يسوغون فيها الخلاف، وكثير لا يسوغونه.
المتعة محرمة عند عامة العلماء في المذاهب الأربعة وغيرها، ولكن رأى بعض العلماء كالعز بن عبد السلام أن الخلاف فيها سائغ لعدم خلوه عن مستند.
وإيقاع البدعي واحدا غير سائغ في معتمد الأربعة عند الجمهور، ولكن سوغه ابن كمال باشا، وهو اختيار الشيخ في الجملة كما لا يخفى.
والكلام في هذا يطول، لكن الغرض من الإطناب فيه تقريره وتوضيحه.
فمجرد الخلاف، ثم مجرد كونه في المذاهب الأربعة، أو بينها جملة وبين غيرها- وهذا أخص - ليس يصح ضابطا للسواغ طردا ولا عكسا.
ففي داخلها ما لا يسوغ عند بعضهم، وفي خارجها ما يسوغ عند بعضهم
وهو في اختلاف الأربعة على أقوالٍ مبنيٌّ على القول بعدم جواز الخروج عن الأربعة، وهو قول باطل لبعض المتأخرين، وأقل ما يقال فيه إنه خلافي كما هو ثابت، ولو قيل إن هذا الخلاف فيه غير سائغ كان مصادرة أو دَورا، ثم على فرض ثبوته فمحله الفتوى لا الاختيار للعمل كما هو مبسوط في كتب المذاهب.
هذا في كونه لا يسوغ خلافها، أما في كونها إذا اتفقت على قول فيلزم أن يكون سائغًا، فهو مبني من جهةٍ على القول بعدم جواز الخروج على الأربعة، وقد تبين ما فيه، ومبني من جهة أدق على عدم تصور وقوع ذلك.
والحق أن اتفاق الأربعة على قول يكون غير سائغ - وأكرر التنبيهَ أن محل البحث أدق من كون قول غير الأربعة يسوغ فهذا قوي متجه بل الحق - يندر أو ينعدم، ولكن هذا من جهة الوقوع، والبحث بحث حُجيات، وحاصله أن دليل حجية الإجماع قاصر عن حجية إجماع الأربعة، كسائر الإجماعات الخاصة فاقدة الحجية، فليس هو حجة لأنه ليس إجماعا.
أما من جهة الوقوع فقد يندر أو لا يقع، ولكن هذا بحث مصداقي. كما قيل: إذا اتفق سفيان والأوزاعي ومالك على شيء فهو سنة. فهذا يعني من جهة المصداق لا الحجية، لتعذر المخالفة لأسباب غير ذاتية، أما الحجيات فهي ذاتية، أي تقع كبرى في مقدمات إثبات الأحكام.
فإن قيل ما الثمرة هنا في التفريق بين البحث الحُجي والمصداقي؟ قلت: هو ثمرة سائر البحث في الحجيات، أولًا: في صحة الإعذار، وثانيًا: في عدم جواز الاحتجاج بمجرد هذه الحجة على المطلوب إذا ثبت قصور حجيتها أو انعدامها، لأن الإثبات موقوف على الحجيات، فيستدل بالحجج فقط، فيرفع هذا من البحث ويصار إلى الأدلة.
فاعلم أن تحقيق هذه المقدمات التي ذُكرت خلاصتها فقط، وليس بحثها التفصيلي: كلها يتوقف عليه القول في عامة مسائل البدع التي اختلف فيها المتأخرون، لاسيما البدع الإضافية.