هل الفقراء مسؤولون عن إنجاب أطفالهم؟
أكتر فئة بتخلف عيال من الناس هما الفقرا، لأن العيال بالنسبة للفقرا بيكونوا راس مالهم الوحيد ضد الفقر، سواء كان الفقير عايز حد يساعده في شغل، أو يرعاه في شيخوخته، أو يكون مصدر دخل إضافي. الحالة المادية للناس هي المسؤول الأول -في رأيي- عن معدل إنجابهم. الأغنياء المرفهين غالبًا بيعتبروا الخلفة مسؤولية ضخمة وعبء وتضحية، وبيترددوا قبل إنجاب كل مولود، وبيستخدموا شتى أنواع موانع الحمل بشكل واعي.
الغريب بقى إن العالم كله، ومصر كمان، تراجع فيهم معدلات الإنجاب. لأن الوجه الآخر للعملة هو إن حتى في الدول الفقيرة فالخلفة أصبحت استثمار مكلف أكتر بكتير من زمان، وتكاليف أساسيات المعيشة اتخسف بيها الأرض في آخر عشر سنين. المرتب مابقاش فيه فائض كفاية برا الأكل والشرب والعلاج والإيجار والمواصلات والكهربا والمية، والناس الفقرا، في رأيي، بقى مش معاها فلوس أصلا تخلف بدون حساب وترعى أطفال. عند حد معين العيل بييجي ورزقه مابيجيش بشكل غير قابل للإنكار.
لكن ثانية واحدة، لو الفقرا غير مسؤولين عن قرارهم بإنجاب أطفالهم لتأثرهم بسياسات اقتصادية فاسدة للدولة (والعالم)، وكل الناس اللي أعرفهم بيحللوا الأسباب اللي خليتهم يضطروا للإنجاب كشبكة أمان مادية ليهم، فأنا عندي 3 أسئلة محدش بيسألهم.
الأول، هل لأن الفقرا ضحايا بيئتهم ده بيعفيهم من مسؤولية تحمل قرارهم بالإنجاب، والإساءة لعيالهم وتعنيفهم وإجبارهم على العيشة في ظروف مزرية؟ كل الناس اللي قريت كلامهم في الموضوع بلا استثناء بيحطوا نفسهم مكان الأهالي ومتعاطفين معاهم، لكن مين بيحط نفسه مكان الطفل اللي بيخلفوه؟ مين متعاطف معاه؟ هو ذنبه إيه في كل ده أصلاً؟
صحيح الفقير ماختارش الظروف الاقتصادية اللي خلت الخلفة بالنسبة له هي وسيلة الأمان الاجتماعي الوحيدة، لكن برضه الطفل ماختارش يتولد أصلا، ولم يشارك في صنع ظروف أهله المزرية، وعشان كده مش المفروض نقبل عادي إن هو اللي يدفع تمنها.
والطفل لا يصبح أقل استحقاقًا للرعاية لأن أبوه كان ضحية للفقر. بالعكس، من الناحية الأخلاقية هو ربما الطرف الأكثر ضعفًا في المعادلة، لأنه لا اختار الفقر ولا الإنجاب ولا الأسرة اللي اتولد فيها. وعشان كده فهم أسباب خلفة الفقرا لا تعني اعتبار كل اللي بيعملوه في عيالهم مقبول، وإلقاء اللوم بالكامل على ظروفهم.
الفقر بيفسر ليه الفقير خلف 6 عيال، وليه اعتمد عليهم اقتصاديًا، وليه عاجز يوفر حد الكفاف لعياله. لكنه لا يبرر أخلاقيا ليه بيضرب عياله، ويهينهم ويسيء ليهم ويستغلهم ويجبرهم يتحملوا مسؤوليات أكبر من سنهم ويحرمهم من احيتاجات أساسية، وفي الآخر يخلف السابع.
وعشان كده سؤالي التاني هو ليه الجميع بيطرح سؤال "هل الفقراء مسؤولون عن إنجاب أطفالهم؟" وهما غافلين عن السؤال الأهم وهو "إلى أي مدى تقل مسؤولية الإنسان عندما تكون اختياراته مقيدة بظروف لم يخترها؟"
الأب الفقير بيقول أنا اتولدت فقير ومش لاقي آكل وماليش غير عيالي، لكن ده مش معناه أننا نديله شيك على بياض ونعفيه تماما من مسؤولية أذيته لعياله.
هو صحيح مش مسؤول لوحده عن فقره، لأنه ماختارش النظام الاقتصادي اللي اتولد فيه. لكن ممكن عادي جدًا يظل مسؤول عن القرارات اللي أخدها داخل هذا الظرف السيء، خصوصًا القرارات اللي جابت عيال للدنيا هيضطروا يدفعوا التمن الغالي لقرارات مش بتاعتهم.
على سبيل المثال، لما أسمع عن أب بيقول إن كويس إن ابنه مات وهو بيهرب في قارب هجرة غير شرعية عشان عياله كتير أصلا وهيصرف عليهم منين! لما أسمع عن أهالي بتجوز بناتها القاصرات لخلايجة أثرياء، لما أسمع عن استخدام الخلفة عشان الستات تتهد وتسكت على العنف اللي بيتعرضوله، وبيتمنع عنهم بالعافية وسائل منع الحمل، لما أسمع عن آباء مخلفين عيال أصلا عشان يصرفوا عليهم! فساعتها ظروف الفقير وحدها لا تصلح لتبرير أذاه.
أما السؤال التالت والأخير، ليه بنعذر الأهالي بسبب تأثرهم العميق ببيئتهم، لكن في المقابل لما الشخص بيكون شايل جبل عقد نفسية من طفولته سواء بسبب إساءة أبوه أو أمه أو بسبب بيئة اجتماعية أو اقتصادية فاسدة، بنقوله أنت خلاص كبرت وحل أزماتك النفسية مسؤوليتك لوحدك؟
الشخص اللي كانت طفولته كلها إهمال وعنف وإساءة، يقدر يقول بنفس طريقة الفقير: أنا ماختارتش إن اللي يربيني يكونوا أب وأم مؤذيين، وماختارتش البيئة المسيئة اللي شكلتني. فهل ده يدينا الحق نقوله بلاش لعب عيال وأنت دلوقتي شخص بالغ والمسؤول الوحيد عن أنك تصلح نفسك؟ طيب ومش بنقول نفس الكلام للفقير ليه؟
إحنا بكل بساطة بنستخدم "الظروف" كحجة لتخفيف مسؤولية الإنسان لما يكون والد، وبعدين نتوقف عن استخدامها لما الإنسان يكون ابن بالغ. ومحدش بياخد باله من الازدواجية دي.
الشخص اللي اتعرض لإساءة نفسية طول حياته بيبدأ كل نواحي حياته من أماكن أصعب ألف مرة من شخص نشأ في بيئة آمنة تم إشباع احتياجاته فيها. وقدرته على تنظيم مشاعره، وبناء علاقاته، والثقة بالآخرين، وبشكل عام كل شيء في شخصيته بيحتاج مجهود مضاعف لمجرد أنه يحاول يتعافى من اللي حصله.
وأعتقد أني بقول كل ده عشان في نهاية الأمر، لا الفقرا معفيين بالكامل عن مسؤولية تصرفاتهم ناحية عيالهم، ولا الشخص البالغ معفي من مسؤولية أنه يشتغل على أزماته النفسية، حتى لو الاتنين كانوا ضحايا البيئة اللي عاشوا فيها.
الاتنين بيغزلوا برجل حمار. الاتنين متعثرين ومتخبطين بسبب أنهم مجبرين يمشوا في مسارات أنظمة اقتصادية أو اجتماعية فاسدة، ومفيش حل جذري حقيقي لحالتهم إلا لو كانت محاولة إصلاح ذواتهم بتحصل جنبا إلى جنب محاولة إصلاح السياسات الحكومية والاقتصادية والثقافة المجتمعية اللي أدت أصلا لكل اللي بيعانوا منه.
أنا بشكل عام زهقت من تحويل الأزمات النفسية والمادية الناتجة عن سياسات جماعية بتشكل حياتنا اليومية، لمجرد مشكلات فردية حلها الوحيد فردي.