ما الذي يحق للإنسان أن يحصل عليه لمجرد كونه إنسانًا؟
البشرية عايشة في أنظمة شايفة إن مقبول فيها يكون فيه إن الناس الجعانة ماتقدرش تاكل إلا لو معاها فلوس. والناس المريضة ماتقدرش تتعالج إلا لو معاها فلوس. والناس الشريدة ماتقدرش تسكن في بيت إلا لو معاها فلوس. والحقيقة إن أيوة أنا شايف إن العلاج والأكل والسكن واللبس والتعليم احتياجات أساسية للإنسان مش المفروض يحصل عليها بمقابل. مفيش مشهد أكثر انحطاطا من إنسان مريض بيموت في صمت أمام مستشفى رفضت علاجه وكانت تقدر تعالجه.
الحسابات الاقتصادية والسياسية هتتدخل وتتهمني بتهم مختلفة، بس هو الحقيقة المجتمعات أولوياتها مختلة. كل مجتمع مش قادر يقدم لأفراده أساسيات الحياة أصبح عبء عليهم. ودايما السبب بيكون شيك ويبدو عقلاني. أنت عايز المجتمع مايحميش نفسه ويصرف فلوس على أسلحة؟ أنت عايز مانصرفش يعني على البنية التحتية؟ أنت عايز تلغي الطبقية والهرمية؟ المستشفى هتصرف على العيانين منين لو مفيش حد هيصرف على المستشفى؟
الحقيقة إن الأوضاع دي مستمرة مش لأي سبب نبيل، أو طبيعي، أو أخلاقي. ولكن فيه قلة مستفيدة ومعندهاش مانع إن الباقي يعاني وعندها منطق مريض في دماغها بيررلها تصرفاتها أخلاقيا، أو بيبقوا أصلا سايكوباتيين أو مختلين. وحتى لو مكنش الاستغلال المتعمد هو السبب الوحيد، فصعب نفسر استمرار أنظمة تسمح بمعاناة يمكن تجنبها من دون النظر إلى المصالح التي تستفيد من استمرارها، والأفكار التي تمنح هذه المصالح شرعية أخلاقية.
أنا مش بناقش الكفاءة الاقتصادية، لكن بطرح سؤال بسيط: ما الذي يحق للإنسان أن يحصل عليه لمجرد كونه إنسانًا؟
فيه حد أدنى من شروط الحياة مش المفروض يكون مشروط بالقدرة على الدفع. والجوع والمرض والتشرد والجهل، مش مجرد مشكلات فردية، لأنها بتجبر الإنسان على أنه يعيش منسحق.
والحقيقة برضه إن تفسير كل المعاناة دي بفكرة القلة المستفيدة مش كافي. أحيانًا بيكون فيه فعلاً شخص أو مؤسسة تستفيد من بقاء الوضع على ما هو عليه، وبالتالي بيدافعوا عنه. وأحيانًا المستفيدين بيؤمنوا بأيدولوجيا بتبرر امتيازاتهم، زي إن الفقير يستاهل فقره لأنه ماجتهدش، أو العلاج خدمة مش حق، أو السوق هو الأقدر على تحديد القيمة، وكل الكلام اللي من النوع ده.
ولكني كل ما بكبر، كانت بتتكون جوايا فكرة ماكنتش شايفها وأنا صغير، فكرة تتجاوز لوم قلة مستفيدة متآمرة على العالم، وهي إن يُمكن لنظام أن ينتج معاناة هائلة من غير ما يحتاج لوجود أشخاص أشرار في كل مرحلة من مراحله.
مثلًا، تخيل مجتمع يتفق أفراده جميعًا على إن الناس مش لازم يموتوا من الجوع. لكنهم اختلفوا حول كيفية تنظيم إنتاج الطعام وتوزيعه. ظهرت ملكية خاصة، وأسواق، وأجور، وضرايب، ومؤسسات، وقوانين، وحوافز. كل فرد داخل المنظومة ممكن يكون مقتنع بأنه يتصرف بطريقة معقولة وأخلاقية، بينما النتيجة الإجمالية تظل أن فيه واحد مش معاه فلوس ياكل.
هنا الشر مش بالضرورة في نية مجموعة من الناس، الشر بيكمن في البنية نفسها. وده في الحقيقة أسوأ! لما كنت مقتنع إن المشكلة في قلة مستفيدة، فالحل الأخلاقي بسيط نسبيا: نطيح بالأشرار ونستبدلهم بطيبين. لكن لو قولت إن حتى الناس اللي نيتهم حلوة ممكن يعيشوا داخل مؤسسات وحوافز وقواعد تنتج نتائج هما نفسهم بيعتبروها مؤسفة، فالمشكلة السياسية والفلسفية بقت أصعب.
وسؤال ما الذي يحق للإنسان أن يحصل عليه لمجرد كونه إنسانًا، ساعتها هيسبقه حتمًا سؤال كيف نصمم مؤسسات لا تعتمد على صلاح الأشخاص الذين يديرونها؟
أما سؤال: المستشفى هتصرف على العيانين منين لو مفيش حد هيصرف على المستشفى؟ فهو سؤال أفعواني، حيلة فكرية بتحاول تثبت إن من الأخلاقي وضع المستشفى أولوية على الإنسان، بما إن المستشفى أصلا بتخدم الإنسان.
لأن الفكرة مش هنجيب موارد منين، الفكرة إن هل المفروض يكون حق الإنسان في العلاج مشروط بقدرته الفردية على الدفع؟ ممكن فعلا العلاج يكون مكلف جدا، وممكن فعلا المجتمع يضطر للاختيار يستخدم موارده المحدودة إزاي، وممكن فعلا تكون فيه حدود حقيقية للي يقدر النظام الصحي يعمله. ولكن كل ده لا يترتب عليه منطقيًا إن الشخص المريض المفروض يتساب ويموت لأن مش معاه فلوس.
المجتمع ممكن يكون العلاج مكلف فإحنا هنمول النظام الصحي من الضرايب، وبكده العلاج مبقاش مجاني، لكن المريض نفسه بقى مش مطلوب منه إن يبقى معاه فلوس في لحظة مرضه عشان يستحق العلاج. وده فرق أخلاقي ضخم. ونفس الموضوع ينطبق على التعليم والسكن وبقية الاحتياجات الأساسية للإنسان.
أنا مش عايز أطبق نظام دولة اسكندنافية في العالم التالت والدول النامية، أنا بقول إن الفكرة اللي المفروض تحرك البشر هي إن الحق في البقاء مش المفروض يستمد من القيمة الاقتصادية اللي الإنسان يقدر ينتجها. عشان أكتشف فيما بعد إن الفكرة دي ليها تاريخ فلسفي طويل بالفعل. وكان دايما فيه صراع عميق بيدور حوالين سؤال: هل حق الإنسان في الحياة يسبق حقه في الملكية؟ وهل المجتمع مدين للفرد بشيء يتجاوز حمايته من الاعتداء؟
وده لأن النظام القائم على السوق بيقول، بدرجات مختلفة، إن الوصول إلى الأشياء يعتمد على إمكانية الحصول عليها عبر التبادل. والإنسان اللي بيقول فيه حقوق أساسية للبشر بيحط قيد أخلاقي على السوق. إن العلاج والسكن مثلا المفروض تكون حقوق، لكن نحط الحد فين؟ وإيه مستوى الحقوق دي؟ ومين يمولها؟ ومين يقرر إيه هو الأساسي؟ ونعمل إيه لما الاحتياجات تتعارض مع بعضها؟
والسؤال الأخير، إذن، مش ليه الفقر موجود، وإنما ليه بنقبل، كجماعات بشرية، إن يعيش إنسان في نفس العالم اللي إحنا عايشين فيه، وهو محروم من حاجات كلنا عارفين أنه محتاجها عشان يفضل إنسان قادر على الحياة أصلاً.















