يصادف اليوم الأول من تموز الذكرى السنوية الأولى لليوم الذي انقسم فيه عمري إلى نصفين؛ نصفٌ تركته خلفي مع الرجل الذي كنت أعرفه، ونصفٌ خرجت إليه غريبًا، أتعرّف إلى نفسي كما لو أنّني ألتقيها لأوّل مرّة. منذ الأوّل من يوليو 2025، لم يعد الزمن يسير في المجرى ذاته، بل انقسم إلى ضفّتين، وعلى كلّ ضفّة يقف رجل يحمل اسمي، بينما الروح التي تسكنه ليست الروح نفسها.
لم تكن المسافة بين الحياة والموت يومها أكثر من ثلاث ثوانٍ.
ثلاث ثوانٍ... لكنها كانت أوسع من العمر كلّه.
رأيت الطائرة الانتحارية تهوي نحونا، وكنت أجلس إلى جوار ابني قصي. في تلك الومضة القصيرة، رأيت الدنيا تنكمش حتى أصبحت بحجم نبضة، ورأيت الآخرة تفتح بابها على اتساع لا تحدّه الجهات. كانت ثلاث ثوانٍ عبرت بي من يقين التراب إلى تخوم الغيب، من ضجيج الحياة إلى الصمت الذي يسبق الأبد.
ثم... انطفأ كل شيء.
دوّى الانفجار، حتى خُيّل إليّ أنّ الكون قد انفرطت سبحته، وأن الهواء نفسه قد تكسّر، وأن السماء اختبأت خلف غبار البارود. كانت الشظايا تتساقط كمطرٍ يعرف أسماء ضحاياه، وكانت الصرخات ترتفع حتى حسبتها أولى نفخات القيامة. هناك، لا يعود الإنسان يعرف ممّن يهرب، ولا إلى أين؛ فالخوف يصبح وطنًا مؤقتًا، والأرض تضيق حتى تضيق بالخطوة الواحدة.
وحين أفقت على شيءٍ من الوعي، اندفعت نحو جيراني أبحث عمّن أنقذه، ولم أكن أعلم أنّ أكثر الواقفين احتياجًا إلى النجدة هو أنا.
كانت الشظايا قد سبقتني إلى جسدي.
دخلت من ظهري، وسارت في داخلي كما تسير النار في هشيم يابس؛ مزّقت الرئتين، وعبرت الحجاب الحاجز، وخدشت الكبد، واخترقت المعدة والأمعاء، وكأنها كانت تفتّش عن آخر شعلةٍ تركها الله في هذا الجسد.
ومع ذلك...
لم أفكر في نفسي.
مددت يدي إلى ابنتي الصغيرة، وأخرجتها من فناء الخيمة. وما إن ابتعدت بها خطوات، حتى شعرت أنّ الأرض لم تعد تعرف ثباتها، أو لعلّني أنا الذي خرجت من قانونها. دار الكون حولي دورةً كاملة، مرّة مع الزمن، ومرّة في عكسه، ثم هوَيت.
ولا أذكر أنّني سقطت على الأرض، بل أذكر أنّ الأرض ارتفعت لتحتضن وجهي، وقد وقعت في حضن أختي وهي تراني أتهاوى نحو السقوط الحر.
وكانت شمس تموز تحرق وجهي، لكنّها بدت باردة أمام النار التي كانت تستعر في داخلي. لم يكن الدم يسيل خارج جسدي، بل كان يغرقني من الداخل، يملأ تجاويفي بصمتٍ لا يُرى. كان الموت يعمل بهدوء العارف بمهنته، لا يرفع صوته، ولا يستعجل خطاه.
ثم بدأت الرحلة...
رحلةٌ لا أجد لها اسمًا سوى أنّها كانت بين الدنيا والبرزخ.
لم تعد الأصوات تصلني كما تصل إلى الأحياء، بل كانت تأتي من مسافاتٍ بعيدة، كأنّها تعبر آبارًا من الغياب.
وسمعت، مرّةً واحدة فقط، صوتًا لن أنساه ما حييت:
"يابا... مشان الله اصحى."
كان صوت قصي.
وعلمت بعد ذلك أنّه ظل يكرّرها طويلًا، لكن الله شاء أن يبلغني منها ما يكفي ليظلّ ذلك النداء حيًّا في قلبي إلى آخر العمر.
ثم جاءني صوت أخي، أبو بلال، من آخر النفق:
"أبو قصي... قل لا إله إلا الله... تشاهد يا خوي."
أما ما جرى حولي، فلم أعرفه إلا بعد أن عدت.
قالوا إنّهم أعلنوا استشهادي.
وقالوا إنّ أمّي صرخت: "راح جبلنا."
وقالوا إنّ خالتي لطمت، وبناتي بكين، والجيران حملوني على الأكتاف، ثم في السيارة، ثم عادوا يحملونني حين ضاقت الطرق.
أما زوجتي...
فقد كانت تركض نحوي بعدما سمعت أن القصف طال مخيمنا أثناء عودتها من دوامها بالعمل، كانت تركض وهي تجر خلفها خوفها وأدعية قلبها، ولم تكن تعلم أنها تركض نحو زوجها، وهو معلق بين الأرض والسماء.
لكن شيئًا من ذلك لم يصلني.
كنت في مكانٍ آخر.
مكانٌ رأيت فيه العمر كلّه يمرّ أمامي كما يمرّ الضوء على صفحة ماء ساكنة؛ طفولتي، وصباي، وشبابي، وكلّ الطرق التي قادتني إلى تلك العتبة التي يقف عندها الإنسان بين نداءين: نداء الدنيا... ونداء الخلود.
ولعلّ لتلك الرحلة حديثًا آخر؛ فما رأيته هناك أكبر من أن تحتويه صفحات، وأعمق من أن تحمله الكلمات. ولعلّي أكتبه يومًا، لا لأثبت أمرًا، بل لأشهد أنّ للموت حياةً لا يعرفها إلا من اقترب من بابه ثم عاد.
وبعد أيامٍ من الغيبوبة، وثلاث عمليات جراحية، فقدت خلالها ثلاثة أرباع دمي، فتحت عينيّ من جديد.
لكنّ الذاكرة لم تبدأ من سرير المستشفى، بل من آخر لحظة سبقت سقوطي؛ اللحظة التي كنت أسحب فيها ابنتي الصغيرة خارج الخيمة.
كأنّ الزمن توقّف هناك ينتظرني، ثم أكمل سيره حين عدت.
وكان أوّل سؤالٍ خرج من بين جراحي، قبل أن يخرج من شفتيّ:
هل بقيت أسرتي على قيد الحياة؟
كانت تلك الدقائق أثقل من الغيبوبة نفسها.
وحين سمعت أصواتهم جميعًا، شعرت أنّ الله وهبني الحياة مرّتين؛ مرّة حين نجّاني، ومرّة حين أبقى لي أحبّتي.
ومنذ ذلك اليوم...
لم يعد الأوّل من تموز تاريخًا يُدوَّن في التقويم.
إنّه ميلادي الثاني.
ولادةٌ خرجت من رحم الموت، لا من رحم الحياة.
ومنذ ذلك اليوم أيضًا، لم أعد أنظر إلى العمر على أنّه عدد السنوات التي نعبرها، بل عدد المرّات التي يعيدنا الله فيها إلى أنفسنا. فقد يولد الإنسان من رحم أمّه، ثم يولد مرّة أخرى حين يعيده الله من الحافة التي لا يعود منها كثيرون.
لهذا سيظلّ الأوّل من تموز حدًّا فاصلاً بين رجلٍ كان يظنّ أنّ الحياة طريقٌ طويل، ورجلٍ عاد وهو يعلم أنّها ومضة، وأنّ لكلّ نفسٍ موعدًا لا يتقدّم ولا يتأخّر، وأنّ الله إذا كتب لعبدٍ عمرًا جديدًا، لم يمنحه أيّامًا إضافية فحسب، بل وهبه قلبًا آخر، وبصيرةً أخرى، ورسالةً تستحق أن تُروى.
وهذه... ليست سوى الصفحة الأولى.
أما بقيّة الرحلة، فما زالت الكلمات تتهيّب الاقتراب منها.
✍🏻 م. وائل عيسى
#وجع #ألم #غزة #كتاباتي #جرح #وائل عيسى













