في قرنتي النائية عن العالمين. لا شيء يغريني في الخارج. لا الطقس البارد ولا الأمسيات الطويلة. الضوضاء في عقلي أعلى من ضجيج الشارع. تناديني مسوّدتي المستلقية، كان ندائها خلفية موسيقية لأيام طويلة من الصمت والتأمل. لا شيء أستدل به على نفسي إلا بالكتابة. الكتابة حبيبتي منذ الأزل، لطالما هجرتها إلا أني أعود متلهفة إليها لأجدها بانتظاري، من دون عتاب ولا عقاب. تعيدني إلى نفسي. تمنحني الوقت الكافي لأعتاد جلوسنا معًا لوحدنا بعد غياب، لا يزعجها خجلي وقلقي، تنتظر، تراقبني بحنان وأنا أحمل القلم ويدي تتوه في هذه الصفحة الخالية، أتردد لكنها لا تستعجلني: خذي ما شئتِ من الوقت. كم يومًا مضى على فراقنا، ينتابني الحزن، أستأذنها لأصنع فنجانًا نقتسمه معًا، ترحب بالفكرة، أقدم الفنجان: مهلًا، لقد نسيت الماء. أمده لها: لست عطشى إلا لكلماتك. ما أسهل أن تقع في حب الكتابة لكن أن تبادلك الحب فهذا ما لم يكن في الحسبان. سألتها بعد صمت: هل كنتِ تعلمين بأني سأعود إليكِ؟ أجل، إن لم تعودي إليّ فلمن إذن تعودين. وإن هجرتكِ أنا فمن تكونين. أعترف بأن غرورها جرح كبريائي وأعترف أيضًا بأن ما نطقته آنفًا هو الحق لا ريب فيه. حسنًا يحق لكِ قول ذلك، لكن من أين لكِ هذا اليقين؟ لربما غاب عن ذهنكِ أني مستودعكِ وحافظة أسرارك، هل نسيتِ إنجازاتكِ الشخصية الصغيرة التي احتفلنا بها معًا، وتلك الليالي الطويلة التي كنا ننام ونستيقظ فيها معًا، هل نسيتِ رسائل الحب التي كتبتها؟ كنت أقاسمك كتابتها على مضض، لكني سرعان ما أدركت أني وحدي التي أحببتكِ حق المحبة ووهبتكِ عمرًا من الانتظار والأمل. ألم يهجركِ الجميع وكنتِ تعودين إلي في آخر كل قصة. ألا تذكرين خسائرك؟ لقد كانت انتصاراتي. لطالما جانبكِ الصواب في هجراني. إنكِ لا تشعرين بي إلا عندما تسرقكِ الحياة وعندها تأتين إليّ لتهتدين إلى ذاتك. أنا بوصلتك وإن أضعتِ ذاتك بعد اليوم إنكِ إذن لحمقاء. ضحكت وقطعت ضحكتي الموسيقى وضجيج الشارع: وإن أغلقت الكراسة الآن ماذا ستفعلين؟ سأنتظر عودتكِ يا حبيبتي ولسوف تعودين .
















