قال أحدهم ذات مرة إن الحزن يشبه ذرّات البريق المتناثرة؛ يلتصق بكل شيء، يختبئ في الزوايا، ويتسلل إلى جواربك. يظهر على أطراف أصابعك حين تمد يدك لتناول كوب من الماء، أو حين تصفف شعرك قبل النوم. يستقر في أماكن لا يراها أحد سواك. وأحياناً يتلألأ، وأحياناً أخرى… يخبو.
وأعتقد أن هذا صحيح؛ لا لأن ذلك يجعل الحزن أجمل، بل لأنه يجعله عنيداً. فالحزن لا يطرق الباب بأدب ثم ينصرف حين تطلب منه الرحيل، بل ينسكب، ويلطّخ، ويبقى. يتخيّل الناس الحزن كجرحٍ نظيف: دم، فضمادة، ثم شفاء. لكنه في الحقيقة يشبه غرفةً تعمّها الفوضى، لا تستطيع أن تنظفها تماماً. هو رائحة تبقى عالقة حتى بعد فتح النوافذ كلها، وصوتٌ يظل يتردد في أذنيك طويلاً بعد أن تتوقف الموسيقى.
بعض الناس يفقدون أشياء يحبونها — كتباً، مدناً، أصواتاً، خططاً للمستقبل — ويواصلون السير كأن شيئاً لم يكن. وآخرون ينهارون لمجرد لمسة كمّ سترة، أو عند سماع اسمٍ بعينه. لا يوجد جدول زمني لتعلّم كيف تعيش مع ما تفتقده. في بعض الأيام تنجح في ذلك ببراعة، وفي أيام أخرى يختنق صدرك به. وهذا أيضاً من الحياة.
وربما يكون هذا ألطف ما في الحزن: أنه دليل على أن شيئاً ما كان يعني لك الكثير. دليل على أن شخصاً ما ترك بصمته في قلبك بوضوح، حتى إن الضوء ما زال ينعكس عليها. دليل على أنك عشت لحظة بكل جوارحك، حتى إن صداها ما زال يجد طريقه إلى رئتيك.
لذا، إن كان الأمر يؤلمك، فربما لا بأس في ذلك. وإن لاح لك بريقه في العتمة، وبكيت حين لا يراك أحد، فلا بأس في ذلك أيضاً. لست ضعيفاً لأنك تتذكر، ولست مكسوراً لأنك تحمل شيئاً من الراحلين معك. هذا ما يجعلك إنساناً حقيقياً، وهذا ما يجعلك قادراً على الحب.
فالحب، بكل أشكاله، هو السبب الوحيد الذي يجعلنا نحزن من الأساس















