«من أشد أنواع البغي عِند الله، أن تسعى لامتلاك قلب بالعهود، ثم تهجره بالخديعة والنكاية.»
هناك صنف من البشر يحارب لسنوات، يطرق الأبواب مرة وتلو الأخرى، ويرسم من الوعود جنات، حتى إذا ما فتحت له امرأة باب حياتها، ووثقت بعهده، ووقفت في وجه الجميع لأجله، واجبرت من حولها على الموافقة عليه ظناً منها أنه الأمان والسند.. تبدلت أقنعته، وظهر وجهه الحقيقي مليئاً بالخداع والتدليس ونقض الشروط قبل أن يجف حبر كتاب الزواج.
ما أصعب الخذلان حين يأتي ممن غش واشترط شروطاً واستحل بها عهداً غليظاً، ثم تراجع ونسج اتفاقات سرية لفرض أمر واقع يعارض كل ما قاله ووعد به. والأدهى والأمر، أنه حينما ترفض الزوجة الإهانة، وتمتنع عن قبول الخديعة، وتطالب بحقها الشرعي والنفسي الذي كفله لها رب السموات؛ يتحول الهجر والقسوة والعضل إلى سلاح عقابي لابتزازها وكسر إرادتها لكي تتنازل عن حقوقها وتعيش معلقة.
لقد جرد هذا السلوك من كل مروءة وإنسانية، حتى بلغت القسوة مداها في لحظات المرض والضعف الشديد؛ حين يُترك الإنسان في حالة صحية حرجة، وفي أماكن لا تليق بالبشر، بلا شفقة أو رعاية، ليمكث الساعات الطوال بلا سؤال ، ملقىً تحت مسؤولية طفل صغير لم يبلغ من العمر سوى سته عشر عاماً، ليتحمل عبئاً نفسياً يفوق الجبال! أي قلب يحمل هذا الصخر؟ وأي دين يرضى بهذا الجفاء؟
ويكفي هذا الصنف زجراً وعيد القرآن الكريم في مواضع قاطعة لا مواربة فيها:
1️⃣ وعيد البغي والاستقواء: حين قال تعالى:
﴿فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا﴾. (فاختتام الآية بـ "عَلِيًّا كَبِيرًا" هو تهديد مباشر لكل مستقوٍ يظن أن لا أحد يقدر عليه!).
2️⃣ تحريم الإمساك للإيذاء والتعليق: حين قال جل جلاله:
﴿وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِّتَعْتَدُوا ۚ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾.
3️⃣ جريمة العضل والمنع: حين قال سبحانه وتعالى:
﴿وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ﴾.
وتكتمل الحجة بما جاء في السنة النبوية الشريفة من وعيد يهز القلوب لمن مال وظلم ولم يعدل بين زوجاته، حيث قال النبي ﷺ:
"مَنْ كَانَتْ لَهُ امْرَأَتَانِ فَمَالَ إِلَى إِحْدَاهُمَا، جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَشِقُّهُ مَائِلٌ".
الزواج يقوم على الصدق والوفاء بالشروط؛ والنبي ﷺ قال: "المُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ"، وقال أيضاً: "أَحَقُّ الشُّرُوطِ أَنْ تُوفُوا بِهِ مَا اسْتَحْلَلْتُمْ بِهِ الْفُرُوجَ".
يا من ظننت أن الغش شطارة، وأن الهجر والعضل فرض سيطرة، وأن ترك امرأة معلقة ومريضة ومقهورة انتصار.. اعلم أن المظالم عند الله دواوين، وأن دموع القهر وحرقة القلوب في جوف الليل حسابها عند قاضي السماء عسير جداً. نم كيف شئت، فسهام الليل لا تخطئ، والبيوت التي هُدمت بالظلم كفيلٌ بها جبار السموات والأرض.
الدين والرجولة والمروءة تقتضي: «إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان».. أما التعنيت، والظلم، والنكاية، فلها رب لا يغفل ولا ينام، وقد جرى تفويض الأمر بالكامل لمالك الملك، وعند الله تجتمع الخصوم.
حسبنا الله ونعم الوكيل، ونعم المولى ونعم النصير.