لا لأن الطرقات اشتاقت لخطاي ولا لأن الأيام أعادت ما أخذته مني بل لأن الصمت طال أكثر مما ينبغي
أعود إلى هذا الركن كما يعود المنهكون إلى آخر ما تبقى لهم من مأوى
هنا .. كانت الكلمات تتكفل بما أعجز عن حمله وكانت الحروف أكثر رحمةً من كثير من الوجوه
في الغياب تتراكم الأشياء بصمت
الأسئلة.. الخيبات والأحاديث التي لم تجد من يصغي إليها ثم يأتي وقت تصبح فيه الكتابة ضرورةً لا ترفاً ونجاةً لا عادة لذلك عدت .
أجر خلفي ما أثقله الزمن وأتركه بين السطور علّ الحروف تتكفل بما عجز القلب عن احتماله، فبعض الأرواح لا تبحث عن وطن إنما تبحث عن مكان آمن تسقط فيه دون أن يراها أحد
وتدرك متأخرة . .أن السقوط لم يكن في الطريق بل في تلك المسافات التي عبرتها وحيدة، وأن أكثر ما يرهق الروح ليس ما فقدته بل ما ظلت تنتظره ولم يأت
أمضي بين الأيام بوجه يعرفه الجميع
وقلب لا يعرف أحد حجم الخراب الذي يسكنه.. أجيد العبور.. وأجيد الصمت
وأجيد إخفاء ما لا يقال . .
لكنني في كل مرة أعود إلى الحروف
أكتشف أن الأشياء التي ظننتها انتهت
كانت تختبئ في الداخل فحسب
ثمة حنين لا يقود إلى أحد، وذكريات فقدت أصحابها وما زالت تعيش، وثمة فراغ . .يتسع كلما حاولت أن أملأه بشيء.. لهذا أكتب لا طلباً للفهم ولا انتظاراً للعزاء بل لأن الكلمات وحدها
تعرف كيف تحصي خسائر الروح دون أن تصدر حكماً عليها
أكتب . .كمن يجلس في آخر الليل إلى جوار أنقاضه الخاصة يتأمل ما تبقى منه ويقلب صفحات عمر مضى ثم يبتسم بحزن هادئ . .وكأنه اعتاد النجاة بالقدر نفسه الذي اعتاد فيه الانكسار وكأن الإنسان . .لا يهزم حين يخسر شيئاً يحبه بل حين يعتاد غيابه
حتى يصبح النقص جزءاً من تكوينه
والفراغ زاوية ثابتة في قلبه والانتظار عادة لا أمل فيها
أدركت متأخراً . .أن بعض الأوجاع لا تأتي لتغادر بل لتعيد تشكيلنا، تأخذ من أرواحنا شيئاً وتترك فيها شيئاً آخر
لم نكن نعرفه من قبل فتخرج من سنواتك الطويلة وأنت تحمل ملامحك ذاتها لكنك لا تشبه نفسك كأن الحياة لم تسرق منك أشخاصاً وأشياء فحسب بل سرقت النسخة التي كنت عليها وأعادتك إلى نفسك غريباً ومن أقسى ما يتعلمه المرء . .أن ليس كل ما ينكسر يصلح وليس كل ما يرحل يعود وليس كل ما نتمناه كتب له أن يحدث، هناك أحلام تموت واقفة
وأمنيات تذبل في القلب دون أن يسمع أنينها أحد
نمضي بعدها كما لو أن شيئاً لم يكن
بينما تحمل أرواحنا مقابر كاملة لا يراها أحد ومع مرور الوقت لا نحزن لأن الأشياء انتهت بل لأننا منحناها من أعمارنا أكثر مما تستحق ومن قلوبنا
أكثر مما ينبغي ثم يأتي ذلك العمر
الذي لا يعود فيه الإنسان يبحث عن السعادة بقدر ما يبحث عن السكينة عن ليلة هادئة لا يوقظه فيها الماضي
وعن ذكرى لا تجرحه كلما مرت وعن قلب لا يضطر في كل مرة أن يتظاهر بالقوة كي يواصل الطريق لهذا أعود إلى الكتابة . .لا لأروي ما حدث
فبعض الحكايات أكبر من أن تروى
وأعمق من أن تحتويها اللغة
أعود لأنني كلما ضقت بنفسي وجدت في الحروف متسعاً وكلما أثقلني العالم وجدت بين السطور مكاناً أضع فيه روحي قليلاً فما زلت أؤمن . .
أن الكلمات ليست مجرد حروف بل شظايا أرواح تبحث عن معنى وأن بعض النصوص ليست سوى محاولات متأخرة لإنقاذ ما تبقى منا أما الباقي . .فقد أخذه الغياب معه