كنت أظن أن أكثر ما يؤلم في الغربة هو البعد عن الوطن… حتى جاءت مباراة مصر والأرجنتين.
كان يمكن أن أكون بين آلاف المصريين أصرخ، وأشتم الحكم، وأقسم أن الكرة تآمرت علينا. لكنني لم أفعل.
الغريب أن الذي منعني من مشاهدة المباراة لم يكن العمل…
منذ أيام، وهو يقف أمام ضربة الجزاء أمام أستراليا، لم أر لاعبًا يسدد كرة… رأيت رجلًا يسدد عشرين سنة من الاستيقاظ قبل الجميع، والتدريب بعد أن يعود الجميع، والرفض، والسخرية، والفشل، ثم العودة مرة أخرى.
“إذا كان هو أتقن لحظته الحاسمة لأنه لم يخن لحظات التعب التي سبقتها… فمن حقي أن أُتقن أنا أيضًا لحظتي.”
جلست أمام طبيب أتحدث عن معادلات تركيب دواء، وعن خصائص قواعد دوائية قد تغيّر حياة مريض، بينما كانت عيني اليسرى تتابع شاشة الآيباد… واليمنى تبحث عن النتيجة في الهاتف.
قفز قلبي كما يقفز طفل وجد أباه عاد من السفر. قلت: انتهت… أخيرًا سنفرح. أغلقت الهاتف، وعدت أشرح للطبيب تفاصيل التركيبة وكأن العالم أصبح مكانًا لطيفًا فجأة.
فتحت الهاتف لأشارك ملايين المصريين الاحتفال…
فاكتشفت أنني كنت أفتح باب عزاء.
لا أعرف كيف يمكن لإنسان أن يعيش الانهيار الكامل في دقائق.
نحن شعب لا يحتاج سنوات ليكبر…
يكفيه إشعار واحد على الهاتف.
وأنا أشعر أن هناك شيئًا انكسر في مكان لا يراه أحد.
واحد كان يحسب فارق التوقيت منذ أسبوع حتى لا تفوته المباراة.
وآخر اشترى قميص المنتخب وهو يعلم أنه قد لا يلبسه إلا ساعات قليلة.
وثالث أرسل قبل البداية: “إحساسي بيقول هنعملها.”
رددت عليهم كلهم: 3:0 لمنتخب مصر. قالوا عني مجنون ولكننا فعلا أدخلنا ثلاثة أجوال في مرمي المنافس.
لكني أتذكر ملايين الغرباء الذين يعيشون مثلي، يختبئون خلف الشاشات، ويحمل كل واحد منهم قطعة صغيرة من مصر في جيبه أو قلبه.
الغريب أن الهاتف، لأول مرة، بدا وكأنه أشفق عليّ.
فبدل أن يقترح فيديو عن أهداف المباراة…
أظهر لي داعية يتحدث عن فضل الذكر.
قال بهدوء: حين تظلم الدنيا،
استغفر الله العظيم… 500 مرة.
حسبي الله ونعم الوكيل… 101 مرة.
أغلقت عين وذكرت الله وشعرت ببعض الطاقة.
اكتشفت أن الإنسان حين ينكسر… لا يبحث عن تفسير.
هو الكتف الوحيد الذي لا يعتذر عن الحضور.
ولأول مرة منذ نهاية المباراة…
الضجيج صراخ داخل نفوسنا يبحث عن لحظة هدوء.
تعرفون ما هو أصعب ما في هزيمة الأمس؟ ما الذي أوجعني فعلا؟
أنك بلاد الغربة، لا يكفي أن تكون جيدًا.
يجب أن تكون أفضل منهم مرتين…
حتى يعاملوك كما يعاملون أنفسهم.
تعيش عمرك كله في سباق لا يراك فيه أحد.
ولهذا لم تكن خسارة المباراة هي التي آلمتني.
ما آلمني هو تجارب كثيرة عشتها و رأيتها أمامي تختنق في لحظات.
حين تكون أفضل كثيرا تتفوق ، وحين تطلب العدالة وتكون تعبت يكون نصيبك خازوق كبير.
منذ بداية هذه البطولة ونحن نعيش حالة فريدة من الحلم والطموح، والعميد صنع من هذا الطموح جموح.
ولهذا كانت الهزيمة أكبر من كرة قدم.
كانت خسارة لجرعة صغيرة من الوطن.
كلما ظن الإنسان أن الدنيا ظلمته…
تذكر أن الله لم يعده بالنصر في كل معركة.
وإنما وعده ألا يضيع سعيه.
{وأن ليس للإنسان إلا ما سعى.}
فلعله يحمل خيرًا لم نره بعد.
إذا شعرت اليوم بما شعرت به أنا…
ولا تدخل في معارك التعليقات.
ولا تبحث عن مذنب تعلق عليه هزيمتك.
فبعض الهزائم لا يشفيها هدف…