...إنَّ البَعوضَةَ تُدمي مُقلةَ الأسدِ
أعود أدراجي ثانيةً فأستقرُّ هنا بعد غيابٍ اقتاتَ على ما ظننتُني أدخرهُ لأيامٍ عصيبةٍ كهذه، ولكن هيهات..
أجلسُ وحيدًا بين كتبي ودواتي، أحاول التعايش قدر إمكاني مع هذا العزل المنزلي المستبدّ، العالم حولي ومعي بيد أن قدمي لم تفارق عتبة داري، أرى فيمن هم حولي شابًّا ذا وجه صبوحٍ وبشَرة وضَاءةٍ يبكي فراق أبيه بكاء الحسرة وقلة الحيلة، فلا هو يجرؤ على تقبيل جبين أبيه فضلا عن الوقوف على قبره للحظات.
لا يخافُ المرءُ الموتَ قدرَ المرضِ، ولا يخاف كليهما قدر الوحدة.
ألتفت يمنةً فأرى المئات يُبادون، أرقامٌ باتت تزيد، نذكر سابقتها فنتمنى أن لو ظلت كما كانت..
وأنظر يسرةً فأشاهد الهلع والخوف والفزع، هلعٌ من العدوى، وخوفٌ من المرض، وفزع من الموت.
وأنا بين هؤلاء أمرر عيني مرور الكرام، فبين صمتٍ جليٍّ وحذرٍ خفيٍّ أبكي على فقدٍ وأحتسب، ثم أَنشُدُ فجرًا غاب عني، وطال الغياب..
أَعُدُّ اللَيالي لَيلَةً بَعدَ لَيلَةٍ
وَقَد عِشتُ دَهراً لا أَعُدُّ اللَيالِي
تُخبرني مكتبتي أن الكون عاصرَ ما هو أدهى وأمرّ، أوبئةٌ أتت فلم تبقِ ولم تذرْ، ثم ما فتئت أن اختفت.
فأكشف اللثام عن ما بصدري فتجلس تستمع مُرهِفَةً الآذان..
عزيزتي، أخبَرني أساتذتي يومًا أن أوبئة كثيرة حلّت، أخذت وتركت، وأن مصائب كبيرة حُلّت بأقل الخسائر وأهون التكاليف..
أخبَروني أيضًا عن الدواء واكتشافه وكيف كان (البنسلين) أيامئذٍ منحةً ربانيةً ورسولاً لإنقاذ البشر..
أردفوا أنهم ما عادوا خائفين من الأمراض قدر خوفهم من تطور مسبباتها..
ثم أخبروني عن (الجدري) هذا الذي تم الاتفاق سنة سبعٍ وسبعين وتسعمائة بعد الألف على خلوّ الأرض منه تمامًا..
وكيف كان يهدد الإنسان ثم اندثر الأول ولسان حاله:
يمشـي الزمـانُ, فتنمُـو صـروفٌ
وَتــذوِي صــروفٌ, وتحيـا أُخَـر
لكنهم لم يخبروني أن يومًا سأعيش لأرى الكون يحتضر رؤي العين، الأسد يمرض، لكنه هذه المرة يموت، فلا ينفعه (علّ.. أو عسى).
الأسدُ اغترّ بقوته، وظن أنه باقٍ لا يكلّ أبداً، أعطى للحقيقة ظهره وأناخ بكلكله أمام السخرية والاستهزاء..
لا تَحقِرَنَّ صَغيراً في مُخاصَمَةٍ
إنَّ البَعوضَةَ تُدمي مُقلةَ الأسدِ
لم أكن أتوقع أن أرى كوكبنا الوديع ذا الطاقة والاقتصاد والأسلحة والامتحانات
يحتضر.. وسكانه يتناقصون مئات بعد المئات..
يا إنسَ! كم يَردُ، الحياةَ، مَعاشرٌ
ويكونُ، من تلفٍ، لهم إصدارُ
أترومُ من زمنٍ وفاءً مُرضياً؟
إنّ الزّمانَ، كأهلِه، غدّارُ
تقِفونَ، والفُلكُ المُسخَّرُ دائرٌ
وتقدِّرونَ، فتَضحكُ الأقدارُ.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(إبراهيم شرباش، غرة شعبان ١٤٤١هـ)