هكذا تكلمت الوحدة
كلنا يفعل ما يفعل كي يُرى ، كل أفعالنا صراخ مدوٍ بأننا هنا ، أنت أيها المار هل تراني ؟ هل يعجبك ما فعلت ؟ هل رأيت كيف فعلتها ؟ هل تريد أن تسمع المزيد حول ما أفعل ؟ ، تظاهر أنك مهتم لكي أطرد شعور الوحدة من نفسي ، هذا الصراخ داخل عقلي يؤذيني ‘ الكيمياء في مخي تنذرني بأن نسلي في خطر ، لقد بدأت اللعبة ، بدأت ميكانيكية التطور تنهش في لحم الاختيار ، هل أستسلم و أتخلى عن الوحدة الآن ؟
الوحدة تعلمك أن تهتم بالتفاصيل ، أن تذوب في الأشياء و على الأشياء، أن ترى ما لايراه من اتحدوا مع قواعد اللعبة خشية مواجهتها ، تجنباً للألم . أنا الآن أرى تفاصيل من وجوه القرود في ملامح البشر لا أعرف هل اهتم داروين أن يبحث عنها أم اكتفى باستنتاجاته على طاولة التشريح ، كيف لا يرى الناس هذه التفاصيل من شركائنا في السلف ؟ . أنا الآن أرى ترنيحة الرأس التى يفعلها الجالس هناك بعيداً ، إنه معترض على ما يرويه ، إنه لا يكترث مثلما كان لا يكترث بالمزيد من ثدي أمه و هو صغير عندما يشعر بالشبع ، تلك اللمعة في عينيه واتساع حدقة عينه ، احمرار وجنتيه ، إنه تأثير الأدرنالين ، هو الآن منبهر ، متحمس ، مهتم ، ربما لو أمعنت النظر سترى نبضات قلبه تنفض الملابس عن صدره ، ربما يسألك عن ما ترويه له مرة أخرى .أنا الآن أسمع زراديشت بصوتك يا نيتشه ، لقد سمعتك ، أنا أراك ، لقد فهمت مناجاتك لربك في موسيقاك يا بخ ، أفهمك الآن . هل هذا ما تعنونه أيها الفرويديون عندما تتحدثون عن "أنا " قوية ؟ هل احتضان وحدتي هو السبيل ؟ ، هل سأخرج من الوحدة إلى الاستقلال والتخلص من التبعية ؟ ، هل هذا هو النضج ؟ التخلص من الدراما البائسة والرخيصة ؟.
الوحدة تناديني أنا من لا تمل انتظارك ، أنا من أعطيك نفسي غير مشروطة بمقابل ، أنا من لن يقارنك بأي أحد ، لن ينافسك أحد علي ، و لن أُخيرك أبداً بيني و بين أي شيء تهواه ، أنا لا أعترف بالحب بل الشغف ، احتضني . قدمتني الوحدة إلى صديقها البحر ، اعتدنا أن نجتمع سوياً ، اعتدت أن أتركها تتملكني ، أتركها ترمي بي في ظلمات السُكْر و الانتشاء ،" أنت الآن ترى " اعتادت أن تخبرني " لا تصرخ إذا شعرت بالألم اتركه يسري في دمك استهلكه أنت الآن تشعر أنت الآن تعيش " ، لماذا لست سعيد ؟ ، هل تريد أن تقتل نفسك ؟ ، أنت لا تملك الشجاعة أن تقتلها أنا أعلم ، تتمنى لو لم تأت إلى هذا العالم ، هذا خطأ كبير ، كيف لك أن تفوت هذه المعجزة ؟ كيف لك أن تفوت إحساسك بالألم ، بالحزن ، بالانتشاء ، بالكآبة ، بالكُره ، بالشغف ؟
كيف تريد أن تفوت تجربة الحياة ؟ ، ثم أنى لك اليقين أنك ستجد راحتك في الموت ؟ صدقني لا شيىء يفنى .
الحياة مرعبة و الموت مرعب ، و الله يشاهد بعينيك ، الله كل يوم هو في شأن يغنيه عن أن يتفقدك ، أن يغضبه ما تفعل ، الله قد خلقك كي لا يشعر بالوحدة ، الوحدة هي الله ، الله الذي في مخيلتك يشيخ معك ولا يفنى ، تذكر لا شيء يفنى . كيف لكل هذا التناقض أن يحيا بداخلك ؟ ، تريد أن تكون ، تريد أن تعيش وحدك ، هذه هي الحياة ، العبقرية لا يولدها الفريق ، العبقرية تولد من الفردية ، و الله مازال يشعر بالوحدة بداخلك .
الحياة رحلة ، الحياة تجربة ، استهلكها ، ولا تربط حزام الأمان .
الحياة مرعبة ، الموت مجهول ، و الله لا يشاهد فقط أغلق عينيك ولن يرى وتذكر لا شيء يفنى .
















