إيمانويل ماكرون: رجل “في الوقت نفسه”… حين تتحوّل المعادلة إلى أسلوب
ليست مجرد عبارة على لسان إيمانويل ماكرون، بل إشارة بدء للعبة مختلفة.
أن تكون قويًا ومرنًا في آن، أن تقترب وتبتعد في التوقيت نفسه، أن تقول نعم… ولكن بطريقتك. هذا الشعار يحمل نَفَسًا رجوليًا واضحًا: سيطرة بلا صخب، وثقة تعرف كيف تمشي على الحبل من دون أن تسقط. هنا، لا مكان للتردّد… بل لإدارة التناقض كأنه ورقة رابحة.
في زمنٍ اعتاد فيه العالم أن يقسّم الرجال إلى يمينٍ أو يسار، يخرج ماكرون كحالة مختلفة… رجل لا يقف في صف، بل يعيد ترتيب الصفوف حوله. ليس يساريًا تقليديًا، ولا يمينيًا صريحًا، بل لاعب وسط حاد، يعرف متى يضغط ومتى ينسحب، ومتى يترك الآخرين يعتقدون أنهم فهموه.
بدأ رحلته من اليسار، داخل الحزب الاشتراكي، وتحت جناح فرانسوا هولاند، لكنه لم يطِل البقاء. خلع القالب القديم، وأطلق حركته الخاصة، التي تحوّلت لاحقًا إلى حزب “النهضة”. هناك، جمع وجوهًا من اتجاهات مختلفة، وكأنّه يقول: أنا لا أمثّل جهة… أنا أعيد صياغة اللعبة.
“في الوقت نفسه” ليست مجرد توازن، بل حرفة.
يدعم السوق الحرّ، لكن لا يقطع خيط التضامن. يفتح الأبواب للاستثمار، دون أن يترك الشارع بلا صوت. تناقض؟ ربما في الظاهر. أما في العمق، فهي قدرة على الإمساك بالخيوط من جهتين… دون أن تنفلت.
أوروبي الهوى، واضح في رهانه على وحدة القارة، وعلى أن القوة اليوم لا تُبنى بالعزلة، بل بالشبكات والتحالفات. هنا أيضًا، يظهر كرجل يوسّع رقعة اللعب، لا يكتفي بحدود الملعب.
لكن ما يضيف بُعدًا آخر لشخصيته هو حضوره الفرنكوفوني. ماكرون لا يتعامل مع اللغة الفرنسية كتراث فقط، بل كنفوذ ناعم، كجسر يمتد من أوروبا إلى إفريقيا والشرق الأوسط. وفي العالم العربي، يحرص على الظهور كلاعب يعرف تفاصيل المنطقة، لا زائر عابر.
أما لبنان، فله معه علاقة خاصة، تتجاوز السياسة إلى رمزية ثقافية وتاريخية. حضوره هناك، وخطابه، يوحيان برغبة في البقاء قريبًا من المشهد، لاعبًا يفهم حساسية التوازنات، ويحاول أن يترك بصمته… بهدوء محسوب.
في النهاية، ماكرون ليس رجل إجابات جاهزة.
هو رجل “في الوقت نفسه”… يمسك التناقض، ويحوّله إلى أسلوب.