عيّنة الجحيم
نزّهتني الحُمى في المجاهل.
رفعتني من تحت إبطي كالطفل
وألقت بي على ظهرها
كانت تعرف أنّي طبيب
ولم يشفع لي.
*
حملتْني أمام الجنود
لم يرفع أحدهم سلاحه
وخرجتْ من البوابة الكبيرة.
أربعة أيام على ظهرها،
أربع وحدات من الزمن
الذي ينثني ويتجوف
وينقبض ويستطيل
دائرًا حول عظام معصمها.
تقدّمت فيّ الحُمّى
أوغلتْ دون أن يقابلها شجر
أو ماء
أو متاريس،
أو جنودي
الذين اصطفيتهم
وأسميتهم أسماء أخرى
غير أسمائهم المريضة
القابلة للموت.
*
لم يدافعوا عني
أحاطوا بسريري بعيون دامعة
بينما جسد الطبيب مجنّد
يضرم في نفسه النار
ليدافع عني
حارقًا مشاة العدو.
*
طفوت على ماء
لم يمسّ جلدًا بشريًّا
قرب ساحل غير مكتمل الخلق.
يد مرجانية
تمرر أصابعها في شعري.
تصفو عيناي
تزرقّان
أقف بينما تتساقط ذريتي من خصري
في البحر
يذوبون كالطين الناعم
سرت تطوقني عكارتهم
إلى أن رأيتها
تطير بموازاة الماء
مندفعة إليّ كالقذيفة
البومة
بعينين مدببتين
انحنيتُ
وكان ذلك متأخرًا.
*
كل هذا وأنتِ بعيدة عني
كل هذا لأنك بعيدة عني.
ولكني حلمتُ بك
تسكبين الماء على رأس دمية
منحوتة على هيئتي
لترتدّ روحي
من على ظهر البومة.
البومة نزلت بي
إلى الأماكن السحيقة
في قعر العالم
نزلت بي إلى الملاهي
القريبة من الجحيم
وصعدت بي
إلى فوهة الوجود
المخروطية المعرّجة الحواف
ومن خلالها
رأيت الـ...
*
كنت أعرف بدقة ماذا يجري في دمي.
البومة، عيّنة الجحيم.
أعرفها عن ظهر قلب، من المحاضرات، في المراجع:
البومة، كحل، رماد، لعنة جوالة، مجهولة المصدر، تنسلّ من الحلق، ترقد في عظام الوجنة، في الأبخرة بين قشرة المخ وصفيحة الرأس، تلعق ثلجة المخ المطمورة في الزئبق، تبيت في سلسلة الظهر، رأس معتم، جناحان هائلان من الجلد البشري، تحمل المريض على ظهرها وتهيم في كهوف الشمس. الأعراض: كأن الآدمي على الموقد إناء لدمه، حرائق في التجاويف، فحيح، صهد. العلاج: تمائم وتعاويذ، سقوط حر، على الطبيب أن يكمن لها، في الرئتين، وراء الكبد، بالشباك والألواح والوشوم والصراخ الملتاث، كأنه فقد ابنًا، كأنه يفقد ابنًا، لتقتلها لا بد لها من أن تقتل، لا تسقط وحيدة، ستقضم شيئًا ما وهي تزول، ستنشب مخالبها في جدار، تخمش صنوبرة الوجود الصغيرة في الجسد، بين الحلق والصدر.
*
حين فتحتُ عيني
كان الجنود بالخارج
لا يعرفون أن ساحر الكتيبة
ارتدّ إلى حياته
حولي رمادي، لا يزال دافئا
يدي لا تصل إلى عنقي
خلال التمائم والأحجبة
وفي حلقي شقوق بركانية طولية
حين دخل عليّ أول واحد
نظرت إلى رتبته
وسألته عن الساعة واليوم والشهر والعام.















