كريم بلقاسم رحمه الله ، القائد المُلهم و الديبلوماسي المُحنك الدي ازعج المستعمر :
تعتبر شخصية كريم بلقاسم من الشخصيات التي تميزت بالذكاء واليقظة، استطاع أن يتولى قيادة الناحية العسكرية الثالثة(القبائل) ،وتجنيد الشباب بكل اصرار وعزيمة من جهة ،وله درو بارز بالتعريف بالقضية الجزائرية في المحافل الدولية من جهة وصولا إلى مفاوضات افيان الذي كان ممثل الجزائر فيها.
ولد كريم بلقاسم المدعو سي رابح ،سي احمد،سي عمار يوم 15 ديسمبر 1922بمنطقة القبائل بقرية تيزرا التابعة لذراع الميزان، في أسرة ميسورة الحال،باشر تعليمه بمدرسة صاروي saroui بحي القصبة السفلى بالجزائر العاصمة ، المسماة اليوم بمدرسة الاخوة الزبيري.
وفي سنة 1936 تخرج منها وهنا شهد له بالحنكة والانضباط الشديد، لكنه غادر مقاعد الدراسة في سن مبكرا بسبب غيابه لثلاثة أيام نتيجة مرضه،ولم يسمح له بالدخول بطريقة مجحفة .
تبلور الحس الوطني وتشبع بالفكر الإستقلالي
وبعدها عاد إلى قريته ولما بلغ السن 18 توظف ككاتب في الحالة المدنية ببلدية ذراع الميزان ، وهي وظيفة لم تكن متاحة إلا للقليل من أبناء الجزائر، وهنا احتك بابناء الشعب الجزائري ورأى الحقد والكراهية والتمييز العنصري الممارس على الجزائريين، ولهذا تخلى عن وظيفته.
وفي 1942 التحق بورشات الشباب بشلف حاليا وتعلم المحاسبة فيها ،لكن سرعان ما اكتشف خدعة هذه الورشات باعتبارها مؤسسة شبه عسكرية يتم تجنيد فيها الشاب الجزائري والفرنسي.
تخرج منها حاملا معه شهادة المحاسبة متجها بذلك إلى ورشة بالاغواط، وفي 1943 التحق المجاهد بالخدمة العسكرية الإجبارية في الجيش الفرنسي، ساعدته على التشبع بالفكر الاستقلالي وهنا كانت نقطة التحول في مسيرته نحو الكفاح المسلح وضرورة التحضير لثورة الكبرى.
انظم كريم بلقاسم إلى صفوف حزب الشعب الجزائري عام 1945وعمره آنذاك 23 سنة، أوكلت له مهمة توزيع مناشير الحزب وقراءتها وشرحها للشباب ، وفي فترة مابين العشاء والفجر كان يدعو الشباب الالتفاف بالفكر الوطني الاستقلالي.
هذا مامكنه في ظرف سنة من تجنيد عشرات المناضلين في العديد من الخلايا ،وفي ضل هذا النشاط ارتقى كريم من مناظل بسيط إلى مسؤول لناحية ذراع الميزان، وقد ذاع صيته وزاد نشاطه وتأثيره على شباب المنطقة ،فاستدعته الإدارة الفرنسية للمثول أمام قاضي التحقيق في 22 مارس 1947م،هنا شعر المجاهد بخطورة الأمر ودخل في مرحلة النظال السرية.
انظم إلى حركة إنتصار الحريات الديمقراطية بعد تأسيسها في 1947م التي تهدف للتحضير الثوري وجمع الأسلحة وتدريب المناضلين للاستعداد لليوم المعلوم،انخرط فيها المجاهد المناضل وجند حوالي 1900 جندي ،وهنا اصبح قائدا في الحزب بمنطقه ثم مسؤولا عن المنظمة الخاصة التي تشكلت في نفس السنة من تأسيس الحركة.
وأثناء التحضير للثورة وفي اجتماع ال22 من سنة 1954
تم الاتصال به و بجماعة القبائل لإقناعهم بالانضمام للثورة، حيث لم يحضروا الاجتماع.دوره لاحقاً: انضم كريم بلقاسم لاحقاً، وكان من بين "مجموعة الستة" (القيادة العليا) التي خططت لاندلاع الثورة في أكتوبر 1954، وتم تعيينه قائداً للمنطقة الثالثة (القبائل).بناءً على ذلك .
و قد كان له دورا مهما في التنظيم الثوري ،إذ جعل من منطقة القبائل ناحية عسكرية قائمة بعد أن كانت تابعة عسكريا لمنطقة الجزائر ، وذلك لتسهيل عملية التنظيم والاتصال بالثورة. وبعد انعقاد اجتماع 10اكتوبر 1954 تم تنظيم العمليات على مستوى كامل التراب الوطني وتقسيم إلى خمس مناطق عسكرية وتعيين قياداتها وتوابعها، تم تعيين كريم بلقاسم قائدا على الناحية العسكرية الثالثة(منطقة القبائل). - خلال اجتماع اللجنة الستة كان كريم بلقاسم عضوا فيها ومن صناع القرارلتحديد يوم أول نوفمبر موعدا لتفجير الثورة التحريرية .
كما كلف كريم بلقاسم باختيار المكان الملائم والأكثر امان لعقد مؤتمر ،فاختار منطقة الصومام مكانا نظرا لموقعها الإستراتيجي الذي جعل منها حصنا منيعا المجاهدين.
دوره في تدويل القضية الجزائرية في المحافل الدولية
مع نهاية سنة 1956 وبداية 1957 كانت الثورة الجزائرية تمر بفترة جد حرجة خاصة بعد استشهاد بعض قادة الثورة ،تزامنت الأحداث مع مناقشة القضية الجزائرية لدى هيئة الأمم المتحدة .
وهنا شكل كريم بلقاسم لجنة جديدة عرفت بالباءات الثلاث وهو اسم أطلق على قادة عسكريين (كريم بلقاسم،بن طوبال، بوصوف)، والذين كان لها دورا في أهم قرارات المعلنة ،والكلمة الاولى والأخيرة في تسيير شؤون الثورة ، كما تم في هذه المرحلة إنشاء الحكومة الجزائرية المؤقتة في 1958، وكان كريم بلقاسم نائبا ووزيرا للقوات المسلحة .
وكانت آخر محطات كريم بلقاسم من أجل خدمة القضية الجزائرية في الخارج هي هيئة الأمم المتحدة التي عاد منها بمكسب مهم ، ألا وهو مصادقة الجمعية العامة في دورتها الخامسة على لائحة تعترف فيها لأول مرة بحق الشعب الجزائري في تقرير مصيره.
كما كان لهذا الأخير دورا هاما في اتفاقيات افيان 1961/1962 حيث أجبرت الإدارة الفرنسية على التوجه إلى طاولة المفاوضات، وفي 7مارس 1962 كان كريم بلقاسم أحد ممثلي الوفد الجزائري ، حيث طرحت الكثير من قضايا اهمها الاستقلال الكامل ،ووحدة التراب الوطني وكان أحد المفاوضين على وقف إطلاق النار .
وبعد استقلال الجزائر و في اوت 1967 توجه كريم بلقاسم إلى ألمانيا و توفي رحمه الله مشنوقا بربطة عنق في فندق بفرانكفورت يوم 18 أكتوبر 1970 ( 48 سنة) .
وفي 24 أكتوبر 1984 تم استرجاع رفاته و تم دفنه بمقبرة العالية بالعاصمة رفقة أصدقائه من المجاهدين.
يعتبر المجاهد كريم بلقاسم من الشخصيات الفذة وداهية عصره لتميزه بالحس القومي الوطني المشبع بالفكر الاستقلالي ومن مؤسسي مجموعة الستة التي فجرت الثورة الكبرى، و من جهة أخرى هو ذلك السياسي المحنك الذي بذل جهودا كبيرة لخدمة الثورة وتوحيد صفوفها والتعريف بها في المحافل الدولية .
وقد قد قال عنه العلامة محمد الصالح الصديق (تتلاقى في شخصية كريم بلقاسم عبقريتان أحدهما الذكاء والالهام والفطنة والثانية هي التنظيم والتغيير وربح الوقت ).
_ بحث : أميرة بن عياد ، هارون. گ ، صور منقولة