« فِي اَلْبِدَايَةِ سَتُخْبِرُكَ أَنَّهَا رَاضِيَةٌ بِكَ عَلَى مَا أَنْتَ عَلَيْهِ، رَاضِيَةٌ تَمَامًا عَنِ اضْطِرَابِكَ وَاكْتِئَابِكَ وَبُؤْسِكَ وَشَخْصِيَّتِكَ اَلْغَرِيبَةِ وَشَكْلِ وَجْهِكَ اَلَّذِي لَا يُشْبِهُ أَيَّ شَيْءٍ، وَلَا يَشْعُرُ أَحَدٌ مِنَّا بِأَيِّ شُعُورٍ حِينَ يَنْظُرُ لَهُ؛ فَقَدْ جَذَبَهَا فِكْرُكَ. سَتُقْنِعُكَ بِدَلَالِهَا أَنَّهَا مَهْوُوسَةٌ بِتَفَاصِيلِكَ وَبِعُمْقِكَ اَلَّذِي لَا حَدَّ لَهُ، وَسَتُخْبِرُكَ أَنَّهَا لَا تَهْتَمُّ إِذَا كُنْتَ ذَا مَالٍ وَجَاهٍ أَوْ مُعْدَمًا، هِيَ فَقَطْ مُهْتَمَّةٌ بِغُمُوضِكَ، بِغَرَابَتِكَ، انْطِوَائِيَّتِكَ، عُزْلَتِكَ اَلْغَيْرِ مُبَرَّرَةٍ وَصَمْتِكَ اَلرَّهِيبِ. إِنَّ هَذَا اَلْجَانِبَ اَلْخَفِيَّ هُوَ مَا يَشُدُّهَا إِلَيْكَ، وَيُثِيرُ اَلْفُضُولَ لَدَيْهَا، هُوَ مَا يَسْتَفِزُّهَا لِمَعْرِفَتِكَ أَكْثَرَ. وَلَنْ تَتِمَّ هَذِهِ اَلْمَعْرِفَةُ إِلَّا بِالتَّعَمُّقِ وَالتَّوَاصُلِ اَلْبَاطِنِيِّ؛ تُرِيدُ تَعْرِيَتَكَ وَاكْتِشَافَ مَا بِدَاخِلِكَ، مَاذَا يُوجَدُ خَلْفَ هَذِهِ اَلْمَلَامِحِ اَلشَّاحِبَةِ؟! أَيُّ رَجُلٍ يَسْكُنُ هَذِهِ اَلْغَرَابَةَ؟! إِنَّهُ فُضُولٌ مِنْ نَوْعٍ آخَرَ قَدْ يَجْعَلُ اَلشَّخْصَ يُضَحِّي بِنِصْفِ عُمْرِهِ لِإِشْبَاعِ فُضُولِهِ وَجُوعِ نَفْسِيَّتِهِ.
سَتَتَمَكَّنُ مِنْكَ أَخِيرًا بِطَرِيقَةٍ أَوْ بِأُخْرَى، وَبِالطَّبْعِ سَتُصَدِّقُهَا؛ فَمَنْ ذَا اَلَّذِي يَرْفُضُ اِمْرَأَةً جَمِيلَةً وَمُثَقَّفَةً؟! اِمْرَأَةٌ تُجِيدُ اَلْعَبَثَ بِالْمَشَاعِرِ وَاسْتِنْطَاقَ اَلصَّمْتِ اَلْكَامِنِ دَاخِلِكَ. بَيْنَمَا هِيَ تُحَدِّثُكَ بِرِقَّةٍ وَتُرْغِمُكَ عَلَى اَلْبَوْحِ، سَتَدْهَسُ ظِلَّكَ وَرُوحَكَ دُونَ أَنْ تَشْعُرَ بِذَلِكَ؛
[لَكِنْ هَيْهَاتَ]
اِنْتَبِهْ... فَأَنْتَ اَلْآنَ شِبْهُ مُخَدَّرٍ، فَالْوُقُوعُ فِي اَلْحُبِّ أَشْبَهُ بِأَخْذِ جُرْعَةِ مُخَدِّرٍ قَوِيَّةٍ، فَقَدْ تَرْتَكِبُ بَعْضَ اَلْحَمَاقَاتِ اَلَّتِي لَمْ تُصَدِّقْ يَوْمًا أَنَّكَ ارْتَكَبْتَهَا، سَتَجِدُ نَفْسَكَ تَتَحَوَّلُ لَا إِرَادِيًّا إِلَى نُسْخَةٍ رَدِيئَةٍ كَرِهْتَ أَنْ تَكُونَهَا.
هُنَا تَظْهَرُ شَخْصِيَّتُهَا اَلْمُظْلِمَةُ بَعْدَمَا اِخْتَفَى شُعُورُهَا اَلْأَوَّلُ تِجَاهَكَ، وَمَاتَتْ لَهْفَتُهَا، وَانْقَضَتْ دَهْشَتُهَا بِالْمَرَّةِ؛ لِذَا تُقَرِّرُ أَنَّهَا لَنْ تَسْتَطِيعَ اَلِاسْتِمْرَارَ مَعَكَ، فَلَا حَاجَةَ لَهَا إِلَيْكَ اَلْآنَ؛ لِأَنَّهُ قَدْ خَابَ فِيكَ ظَنُّهَا، فَأَنْتَ لَمْ تَعُدْ تُغْرِيهَا بَعْدَ ذَلِكَ، لِأَنَّهَا لَمْ تُحِبَّكَ مِنَ اَلْأَسَاسِ، بَلْ أَحَبَّتْ ذَلِكَ اَلْجَانِبَ اَلْمُظْلِمَ فِيكَ، أَحَبَّتْ صَمْتَكَ وَغُمُوضَكَ اَلْجَذَّابَ.
[مِسْكِينَةٌ]
اَلْآنَ جَاءَ دَوْرُكَ - قَدْ بَدَا فِي خَيَالِهَا اَلْوَلِيدِ أَنَّهَا انْتَصَرَتْ، لَكِنْ فِي اَلْوَاقِعِ قَدْ فَرَغَ وِعَاءُ فُضُولِهَا وَتَقَطَّعَتْ حِبَالُ صَبْرِهَا، بَعْدَمَا عَرَفَتْ أَنَّكَ مُمْتَلِئٌ بِأُمُورٍ يَصْعُبُ عَلَيْهَا إِدْرَاكُهَا. زَلَّتْ قَدَمُهَا لِتَسْقُطَ فِي اَلْبِئْرِ اَلْعَمِيقِ، حِينَمَا غَرَّهَا كِبْرِيَاؤُهَا وَظَنَّتْ أَنَّهَا قَادِرَةٌ أَنْ تَدْلُوَ بِدَلْوِهَا فِي غَيَاهِبِ بِئْرِكَ، وَاسْتِقْرَاءِ صَفَحَاتِكَ، وَالِاطِّلَاعِ عَلَى مَا بِدَاخِلِ أَعْمَاقِكَ، فِي مُحَاوَلَةٍ بَائِسَةٍ مِنْهَا لِحِفْظِ مَا تَبَقَّى مِنْ كِبْرِيَاءٍ لَدَيْهَا.
اَلْآنَ شَعَرَتْ بِالْعَجْزِ بَعْدَ أَنْ ارْتَطَمَتْ بِالْقَاعِ، قَدْ خُدِعَتْ أَوْ بِالْأَحْرَى خَدَعَتْ نَفْسَهَا. وَفِي مَشْهَدٍ دِرَامِيٍّ يَتَجَسَّدُ تِمْثَالُ غَبَائِهَا وَيَجْلِسُ بِجِوَارِهَا، وَتَبَادَلَا اَلسِّبَابَ وَاللَّوْمَ لِوَقْتٍ طَوِيلٍ. خِلَالَ لَحَظَاتٍ تَعَاقَبَ عَلَيْهِمَا فَصْلَا اَلصَّيْفِ وَالشِّتَاءِ فِي سَابِقَةٍ كَوْنِيَّةٍ لَمْ تَحْدُثْ مِنْ قَبْلُ. أَخِيرًا أَدْرَكَتْ أَنَّهَا اسْتَنْزَفَتْ جُهْدَهَا وَوَقْتَهَا مَعَ شَخْصٍ يَرْفُضُ وَضْعَ حُرُوفِهِ اَلْبَسِيطَةِ فِي دَلْوٍ مَثْقُوبٍ، فَضْلًا عَنْ كَلِمَاتِهِ اَلْمَنْحُوتَةِ عَلَى جُدْرَانِ بِئْرِهِ وَأَعْمَاقِ كَيْنُونَتِهِ.
رُبَّمَا أَرَادَتْ رُؤْيَتَكَ مِنْ جَانِبٍ آخَرَ وَمِنْ زَاوِيَةٍ أُخْرَى، أَوْ رُبَّمَا أَرَادَتْ مَعْرِفَةَ حَقِيقَتِكَ اَلَّتِي تُخْفِيهَا عَنِ اَلْجَمِيعِ؛ أَيًّا مَا كَانَ غَرَضُهَا. لَكِنْ مِمَّا لَا رَيْبَ فِيهِ أَنَّهَا تَعَلَّمَتِ اَلدَّرْسَ جَيِّدًا بَعْدَ جَوْلَتِهَا اَلِاسْتِكْشَافِيَّةِ هَذِهِ، وَأَنَّهُ لَا يَجِبُ اَلْعَبَثُ بِحَيَاةِ اَلْآخَرِينَ وَبِمَشَاعِرِهِمْ.
اَلدَّرْسُ يَبْدُو قَاسِيًا فِي ظَاهِرِهِ، لَكِنَّهُ عَادِلٌ فِي جَوْهَرِهِ، وَسَوْفَ تَتَأَكَّدِينَ مِنْ ذَلِكَ بَعْدَ مُلَامَسَةِ أُولَى قَطَرَاتِ مَطَرِ اَلْوَعْيِ اَلنَّاعِمَةِ جَبِينَكِ، لِكَيْ تَهْدَأَ اَلْعَاصِفَةُ، وَيَنْقَشِعَ اَلْغُبَارُ، وَتَصْفُوَ اَلسَّمَاءُ. فِي اَلْأُفُقِ تُعْلِنُ اَلشَّمْسُ عَنْ ظُهُورِهَا فِي جَرَاءَةٍ تَجْسِيدًا لِلْحَقِيقَةِ وَإِيذَانًا لِبَدْءِ رِحْلَةِ اسْتِكْشَافِ ذَاتِكِ. »
ხꞃ ᤙ᥉ᴏƒ ³⁶⁹













