هذا منشور صادفني على أحد مواقع التواصل الاجتماعي، وخلّاني أتأمل وأفكر وأكتب.
فبالنسبة لي، أعتبره شي جدا غريب إن فيه شخص بصدد البحث عن أصدقاء، ويطري على باله يصنع بوستر إعلاني بتصميم لطيف وجاذب للعين، ويسوّق لنفسه من خلاله، في فعلٍ يطابق ما تقوم به الشركات أثناء تسويقها سلعةً ما.
وفي اعتقادي إننا، بصفتنا بشرا، نصنع المفاهيم وننتج ما ننتجه من آلات وغيرها، لغرض استخدامها وتطويعها لخدمة أغراضنا واحتياجاتنا، ولتوفير أكبر وقت ممكن في حياة كل فرد لممارسة أنشطته البشرية واهتماماته الشخصية. ويبدو لي من الغرابة بمكان أن تنعكس الآية، فيتأثر الإنسان نفسه بما أنتجه، ويبدأ بمحاكاة ما صنعت يداه والتماهي معه، محاولا التمثل به.
فالتسويق التجاري هو مفهوم اقتصادي صنعناه نحن البشر لأغراض زيادة العوائد المادية من خلال خلق أو تعظيم الطلب على سلعةٍ ما، مستهدفين سوقا محددة ومستخدمين في ذلك أساليب معينة وإعلانات مدروسة وتصاميم جاذبة ومحتوى مكتوبا بعناية، فيفعل هذا كله فعله في المتلقي الهدف، خالقا الرغبة عنده لاقتناء السلعة محل العرض.
ومَكمن الغرابة عندي حين تنعكس الآية ويحاكي الإنسانُ منتجَه، فينسحب مفهوم التسويق التجاري وأساليبه وأدواته إلى المجال الشخصي وممارساته، فنحصّل مثلا شخص يبحث عن تكوين صداقات شخصية من خلال عرض نفسه بطريقة إعلانية وُضعت في الأساس لأغراض تجارية، متجاهلا أنه بفعله هذا قد أصبح سلعةً، وغافلا عن أن مثل هذه الإعلانات، مفهوما وتصميما، قد وُجدت لتحفّز في نفس المتلقي شهوة الامتلاك والاقتناء والاستخدام، لا رغبةَ اتخاذ الشيء المعروض صديقا.
وممكن أتفهّم هذا الفعل في مجال التوظيف مثلا، لأن السيرة الذاتية هي أيضا أسلوب إعلاني بطريقة أو بأخرى، ولكن لا ننسى أنه مجال وثيق الصلة بالمجال الاقتصادي ويتبع أثره. أمّا صميم استغرابي فهو كيف لنا أن نسحب مفهوما تجاريا صممه البشر لغرض وظيفي واستعمالي محدد كالإعلانات، لنضعه مقدمةً لخصلة بشرية كان لها فضل كبير في بقاء نوعنا وتشكيل مجتمعاتنا كتكوين الصداقات؟ أليس هذا تسليعا للفرد ومحفزا لاستخدامه، وتقهقرا وتشييئا لتجربتنا الإنسانية؟
ومثال أخير يشرح مدى غرابة الموضوع عندي ويبسّط كلامي السابق: تخيل معي أن شخصا اشترى سيارة، ومن شدة افتتانه بها وبفاعليّتها على الطريق قرر أن يبتر قدميه ويستبدلهما بعجلتين ومحرك، ليصير هو ذاته سيارة، أو نصف سيارة، متناسيا غرضه المبدئي من شرائها، وهو أن تسهّل عليه تنقّلاته وتوفر وقته ليستطيع ممارسة أنشطته البشرية الأخرى. وهذا بالضبط ما يحصل عندما يُفتن الشخص بقوة الإعلانات التجارية في وقتنا الحالي وقدرتها على خلق التفاعل، فما يكون منه إلا أن يصير سلعة يُعلَن عنها فتتهافت عليها أعين الراغبين، وذلك تحت غطاء تكوين الصداقات.












