أسباب للرحمة الاحتياطية
ما إن فرغت من الولادة وطفقت أنادي على العاملات والممرضات حتى يأتين وينقلن السيدة التي ولدت توًا ويعتنين بها، حتى توجهت إلي بصوت برته صرخات الولادة قائلة: "أنا ممكن أقوم أساعدهم". كان عرضًا حقيقيًا وأظن أنها بالفعل همت به، وأرادت القيام من كرسي الولادة فورًا كي تمسح الغرفة وتكسح الدم والسوائل وتحمم الرضيع وتسوي الأمور.
لم أدر ماذا أقول أو كيف أرد على هذا العرض العجيب، ذكرتها أنها ولدت للتو وأنها المريضة وأنها هي من عليها الراحة بينما يعمل الآخرون من حولها. شرحت لي بطريقة عملية أنها "خادمة" وأنها معتادة على الخدمة وأنها ترغب بصدق في المساعدة. ضاق صدري جدًا. راقبتها وهي تسأل الممرضة وعاملة القسم ما إذا كن يحتجن للمساعدة في شىء. ولما أدركت أننا جميعًا مصرون على أن تكون هي موضع الخدمة والاهتمام في ذلك اليوم الاستثنائي، يوم ولادتها، لما أدركت ذلك شرعت في البكاء وقالت أنها "متعبة للغاية".
حتى لو لم تكن لي روح اشتراكية مهذبة بالمنطق والفلسفة والأخلاق، فإن الجراحة والطب كافيان لأن يخلقا الاشتراكية في أي نفس حساسة. تحت المشرط كل البشر عبارة عن لحم هش وحي وثمين. كل البشر يشرخهم الألم. كل البشر تضعفهم ذات أنواع الخلل في العمليات الحيوية. لكن العالم، والأطباء، والطب لا يتعاملون مع الأجساد بنفس العناية لأسباب كثيرة، دع عنك الدنيا نفسها التي توطن نفس إنسانة على الشقاء لدرجة أنها تتصور أنها مطالبة بالكدح في لحظة ولادتها نفسها التي هي في حد ذاتها من ذرى الشقاء. تستبطن أنها مخلوقة للخدمة حتى تستنكر أن تكون هي المخدومة وهي المعتنى بها وتشعر بأنها مطالبة بتقديم شىء في المقابل. وتستغرب بصدق أن يخبرها أحدهم أن من حقها، الآن على الأقل، بعض الراحة.
لطالما أحببت القراءة عن نشأة الذات ونشأة الضمير ونشأة أفكار العدالة والمساواة. أستغرب أن البشر فيما مضى احتاجوا لمرور القرون الطويلة حتى يدرك واحدهم أنه فرد، وأن له اعتبارٌ بعيدًا عن كونه عاملًا يكدح، أو مملوكًا لحاكم يمتلك الأرض بمن عليها، أو رقمًا في جماعة دينية كبيرة لا قيمة له إلا بها، وأن لا فرق بين واحدهم وبين الملك ذاته. أشعر بالإثارة وأنا أتخيل عقل البشر وهم يرون أنفسهم بعيدًا عن الجماعة والقبيلة والكنيسة أفرادًا ذوي حياة داخلية متميزة ومحترمة بشكل ما، وكيف غير ذلك الإدراك من حيواتهم الخاصة ومن شكل دولتهم ومن فهمهم للحب والحرية والقيم كافة. أتصور أن هذه لحظة مثيرة وبعيدة.
لكني يومًا بعد يوم، يدربني الطب المحلي على أن هذه اللحظة ضرورية ولم تحدث بعد لبشر كثيرين. أراها وإذ أراها أكتشف أنها لحظة حزينة ومقبضة، يبكي الناس ويتأثرون حين تخبرهم للمرة الأولى أن من حقهم الاحترام والعناية والراحة وبعض الكسل. يقولون "أنا" بمعنى جديد. أتأمل الفرق بين "أنا ممكن أقوم أساعدهم" وبين "أنا تعبانة". لا بد أن هذه هي اللحظة المذهلة التي يدرك فيها الإنسان نفسه، وأنا أشحت ببصري عنها لأنها أشعرتني بالحرج وبالذنب.
أحمل في نفسي معنيين يسويان الناس جميعًا في نظري: الله والموت. خلق الله جميع الناس وهذا يسوي بينهم، والموت يأكلهم جميعًا وهذا يسوي بينهم. والموت والفناء كما أسلفت مرارًا مميزان في نظرة الطبيب/ة، ولا يرى العالم بدونهما. أتحرى أن يتهذب طبي بتلك التسوية الصارمة رغم بشاعة الظروف وقسوة المكان. أتحرى كذلك أن تنبجس من الأشياء التي أدركها عن العالم والأخلاق والبشر في المستشفى مياه تسري في كل أفعالي، تنتبه لما أقوم به في كل سياق، وتدخل الرحمة الاحتياطية في كل فعل أقوم به مهما نزعت نفسي للقسوة، إذ ربما وقع ذلك الفعل على إنسان أو إنسانة متعبين جدًا ولا يعطيهما العالم متنفسًا للراحة، وربما لا يدركان أصلًا أن من حقهما ذلك، وأن الإنسانية اكتشفت قيمة الفرد واحترمتها وحققت العدالة والحرية والمساواة. ربما كانت تلك فكرة جديدة ومذهلة وعجيبة -ومؤثرة جدًا- لو حدثتهما بها.













